تجاوز إلى المحتوى الرئيسي

فشل تكنلوجيا السلاح الأمريكي أمام إيران.. هل يقود المنطقة إلى حرب نووية؟ 

نُشِر
2019/06/22 11:16 م
تحديث
2019/06/22 11:37 م
تغيير حجم الخط

صحيفة التمكين تحليلات

كثيرة هي الأسباب التي جرى الحديث عنها لتفسير تراجع الرئيس الأمريكي ترامب عن قرار توجيه ضربة عسكرية انتقامية ضد إيران فجر أمس الجمعة. أحد أهم الأسباب، الذي لم ينل حظا كبيرا من التحليل، هو ما يرتبط بالجانب التقني الذي ظهر كعامل أساسي بعد النجاح الإيراني في اعتراض واحدة من أخطر طائرات التجسس باستخدام منظومة دفاعية من صنع محلي.

نتائج تلك الحادثة تحمل دلالات بليغة المعنى كونها أول مواجهة مباشرة على مستوى التكنولوجيا العسكرية لإيران مع أمريكا، ما يستوجب إمعان النظر باعتبارها مؤشرا عمليا على مدى كفاءة المنظومة التسليحية للطرفين في مواجهة بعضهما بما يتيحه ذلك من إمكانية لتوقع نتائج أي اشتباك مشابه قد يحدث لاحقا على مستوى أوسع نطاقا.

الولايات المتحدة كقوة عسكرية عظمى تستند بدرجة رئيسية إلى تفوقها الكاسح في تكنولوجيا صناعة السلاح الأكثر حداثة وقدرة على الوصول إلى الهدف دون إمكانية اعتراضه.
ضمن هذا المفهوم تعتبر طائرة التجسس غلوبال هاوك طراز MQ-4C Triton إحدى علامات التميز الأمريكي فهي الأكبر من نوعها على مستوى الطائرات المسيرة والأكثر حداثة وتجهيزا، إضافة لكونها من فئة المقاتلات الخفية المصممة بحيث لا ترصدها الرادارات. 

تلك الطائرة التي تمثل خلاصة التكنولوجيا العسكرية الأمريكية سقطت بواسطة منظومة الدفاع الجوي الإيرانية خرداد 3 التي استطاعت رصد الطائرة وإسقاطها. بل وأكثر من ذلك، وبحسب الخرائط التي عرضها الإيرانيون عن الحادثة، فإن الرادارات الإيرانية استطاعت رصد الطائرة منذ إقلاعها وقامت بمتابعة تحركها لعدة ساعات في الأجواء الإماراتية ثم فوق المياه الدولية وحتى لحظة دخولها المجال الجوي الإيراني.
نحن نتحدث عن رادارات من صناعة إيرانية في مقابل طائرة صنعها الأمريكان على أساس أنها تتضمن نفس تقنيات التخفي المستخدمة في طائرة F35 التي هي آخر ما وصلت إليه تقنية صناعة السلاح في مجال الطائرات الخفية.
ولنضف لهذا أن منظومة الدفاع الجوي الإيرانية خرداد 3 هي جيل قديم نسبياً وقد جرى تطويره لاحقا حيث كشفت إيران في الشهر الماضي عن انتاج نسخة محدثة أسمتها "خرداد 15". 

بالنتيجة، فإن المواجهة الأولى بين السلاح الأمريكي والإيراني فوق الخليج في ظروف التحشيد العسكري الراهن قد وجهت ضربة قاسية لأسطورة تفوق السلاح الأمريكي إلى حد قد يجعل مصنعي ذلك السلاح يتمنون عدم تكرار التجربة لحين تمكنهم من سد الثغرات في منتجاتهم. 
على الجانب الآخر، يمكن القول أن النتيجة التي خرج بها الإيرانيون هي تحقيق نصر عسكري تكتيكي إضافة لحيازة نقاط تفوق استراتيجي على المستوى الإعلامي و السياسي. 

هذه أسباب إضافية تفسر ما ظهر عليه الرئيس ترامب من ارتباك و تخبط في مواجهة إيران، في حين كانت إيران تتصرف بثقة وثبات كون إسقاطها للطائرة الأمريكية فور دخولها مجالها الجوي هو تنفيذ فعلي لما كانت تقوله طوال أسابيع في مواجهة التهديد و التحشيد العسكري الأمريكي، ففي أول اختبار عملي لم تتردد إيران أمام القوة الأمريكية التي ما زالت تتخبط في مواقفها و تصريحاتها حتى الآن. 

منطقيا وبحسب سياق الأحداث الراهنة في الخليج طوال الشهرين الأخيرين، يفترض أن الرد الأمريكي على إسقاط الطائرة سيكون فوريا وصارما على مستوى عسكري يتناسب مع الهيبة الأمريكية المهدورة.
ولهذا كان القرار الأمريكي بتوجيه ضربة انتقامية محدودة ومحسوبة على أساس ألا تؤدي لتطور الأمور إلى حرب شاملة، وكان الهدف هو قصف ثلاثة مواقع تحوي رادارات و بطاريات صواريخ للدفاع الجوي على ضفاف الخليج. إلا أن الرئيس ترامب تراجع بعد تلقيه نصائح بأن الإيرانيين لن يتقبلوا الضربة بصمت و سيكون رد فعلهم قويا و واسعا. 
على المستوى التقني وبنتيجة نجاح منظومات الدفاع الجوي الإيرانية في إسقاط الطائرة الخفية يمكن استنتاج أسباب أخرى للتراجع الأمريكي هو اكتشافهم المتأخر أن المواجهة مع إيران ستجعلهم يخسرون عدداً كبيراً من الطائرات يفوق كثيراً ما كانوا يتوقعونه كخسائر يمكن احتمالها. حيث أنهم بنوا حساباتهم على فكرة أن الخطر الأساسي على طائراتهم هو منظومة الدفاع الجوي الروسية التي تملك إيران عدداً قليلاً منها و أبرزها منظومة S300، أما المنظومات الإيرانية فقد كان لدى البنتاغون تصور أنها مجرد هياكل دعائية عديمة الكفاءة.

لكن هذه النظرة تغيرت مع إثبات نجاح منظومة خرداد 3 في أول اختبار عملي يمكن القياس على نتائجه لتوقع نجاح بقية المنظومات الإيرانية الأحدث منه. هذا كله أوجب على الأمريكان البدء بإعادة حساباتهم القديمة عن تكلفة المواجهة مع إيران و مداها و فرص التفوق فيها.

و بالطبع، فالسبب الأساسي لإلغاء الهجوم الأمريكي يعود إلى التصريحات و الرسائل الإيرانية الواضحة بأن أي اختراق لأجواء إيران سيواجه بنفس الطريقة، مع ت

هديد صريح بأن "جميع السفن والقواعد الأميركية في المنطقة تقع ضمن نطاق الصواريخ الإيرانية" و ستكون أهدافاً مشروعة، كما سيتم "استهداف كل المصالح الأمريكية في المنطقة". 

هذا التراجع الأمريكي يؤكد أن هناك عقلاء في الإدارة الأمريكية يدركون حجم العواقب و لهم صوت مسموع بما يمكنهم من التأثير في القرارات العسكرية على الأقل.
الغريب هو أن التعقل الأمريكي الذي جنَّب منطقة الخليج حربا مدمرة، قد أثار انزعاج الأنظمة الحاكمة في الإمارات و السعودية المحكومتان بعقليات لا تكف عن التحريض على تفجير الحرب رغم أن بلادهم ستكون ساحة لها وأكثر المتضررين منها، و بهذا الخصوص يكفي فقط الإشارة لما كشفه موقع ميدل إيست أونلاين عن أن مدير المخابرات السعودي قد توجه مع الوزير عادل الجبير إلى لندن، لمناشدة بريطانيا على التدخل لإشعال شرارة الحرب بقصف أهداف إيرانية باعتبار أن ترامب لا يريد تحمل مسئولية البدء بالطلقة الأولى أمام الناخب الأمريكي، إلا أن البريطانيين بدورهم رفضوا الفكرة مباشرة. 

الجهود السعودية لتفجير المنطقة تأتي على النقيض من حالة ارتياح عالمي لتراجع صوت طبول الحرب. كما أن هناك اهتمام دولي ببذل المزيد من المساعي لنزع فتيل البارود حيث من المتوقع أن المنطقة ستشهد نشاطا ديبلوماسيا واسعا خلال الأيام القادمة يقوده الروس من جهة كما تشارك الدول الأوروبية الحليفة لواشنطن بدورها في محاولات التدخل بغرض تخفيف التوتر، و لعل أول الخطوات الهامة بهذا الصدد هي ما أعلنت عنه الخارجية البريطانية اليوم عن زيارة سيقوم بها وزير الدولة البريطاني لشئون الشرق الأوسط أندرو موريسون إلى طهران بهدف إنجاز "خفض عاجل للتوتر" و "التواصل المنفتح و البناء مع إيران". 

في الأخير، و مع اتضاح كارثية التصعيد الذي بدأه الرئيس ترامب ضد إيران وتعذر الوصول إلي نتيجة تحقق أغراضه كما كان يتمنى، تظل الآمال معقودة بالقمة الثنائية التي ستعقد في الأسبوع القادم بين الرئيسين بوتين و ترامب في اليابان على هامس قمة العشرين. فهناك يمكن للثعلب الروسي تحوبل إخفاقات سياسة العقوبات الاقتصادية التي فرضها ترامب بشأن النفط الإيراني، إلى مكاسب لروسيا في مقابل توفير مسارات بديلة تمر عبرها التجارة الإيرانية. بالنسبة للرئيس ترامب فإن مبادرة الرئيس بوتين تمنحه مخرجا أنيقا من ورطته دون أن يضطر للتراجع عن قراره بالانسحاب من الاتفاق النووي، لا سيما أن خصومه في الحزب الديمقراطي قد بدأوا بتوظيف الأزمة انتخابيا عبر تحميل ترامب مسئولية التأزم الحاصل مع إيران وما نتج عنه من تضرر للهيبة الأمريكية على مستوى العالم، قائلين أن قرار الانسحاب من الاتفاق النووي هو خطأ كارثي قد يقود البلاد إلى ما هو أسوأ. و لعل هذا هو السبب الرئيسي الذي دفع ترامب لتغيير خطابه الإعلامي محاولا تجنب الإدانة بالهروب إلى إصدار تصريحات تركز على خلق حالة خوف من نوايا إيران بصنع قنبلة نووية. وبهذا الصدد يمكن استنتاج أنه في حالة فشل لقاء القمة مع الرئيس بوتين في إيجاد حل للأزمة مع إيران فسيدخل الصراع مرحلة أخرى أشد تعقيدا قد تضطر إيران لصنع قنبلتها النووية فعلا.