تجاوز إلى المحتوى الرئيسي

سامح عسكر يكتب: إيران وأمريكا.. تحدي الأقوياء

نُشِر
2019/06/22 6:14 م
تحديث
2019/06/22 6:20 م
تغيير حجم الخط

صحيفة التمكين-رأي

 

أمس أعلن الحرس الثوري الإيراني إسقاط طائرة أمريكية بدون طيار من نوع "جلوبال هاوك" أو RQ4 المعروفة بأنها أغلى طائرة درون في العالم حيث يصل ثمنها إلى أكثر من 200 مليون دولار وإمكانيات تجسس ورصد هائلة وقدرة طيران ليومين دون انقطاع، بالتالي فالطائرة ليست مجرد قطعة حربية أو معلوماتية في الجيش الأمريكي بل هي أهم قطعة معلوماتية في سلاح الجو تتيح للبنتاجون القدرة على مسح الخليج كله أمنيا ومعلوماتيا باعتباره منطقة حيوية ومصلحة أمريكية بامتياز.

 

تقديس الأمريكيين للمصلحة دفع البيت الأبيض لاتخاذ ردود أفعال قوية باجتماع عاجل مع الكونجرس والبنتاجون لبحث الرد على إيران، لكن انتهى الاجتماع بدون بيان ختامي مصحوبا بتصريحات فردية على تويتر من قادة الحزب الديمقراطي برفضهم خيار الحرب، وكان أبرز المعترضين الديمقراطيين "بيرني ساندرز" بعد تعليقه على تغريدة ترامب وقوله إن حرب ترامب ضد إيران ستكون أسوأ في نتائجها من حرب العراق، لعوامل جيوسياسية من كون إيران تمثل ضعف العراق عددا ومساحة وامتلاكها أدوات ردع مختلفة وتأثيرها العابر للحدود.. كل ذلك يجعل من فكرة حرب إيران هذا التوقيت بمثابة انتحار.

 

لكن طبيعة إدارة ترامب لا توافق هذا النهج السلمي حيث تجمع صقورا من أشد المؤيدين لحرب إيران كمستشار الأمن القومي "جون بولتون" ووزير الخارجية "مايك بومبيو" إضافة لوجود حلفاء يمينيين داعين أيضا لتلك الحرب في الشرق الأوسط كنتنياهو وبن سلمان وبن زايد، إنما هذه الطبيعة مهددة بضعف الحلفاء لاتهام نتنياهو وزوجته بقضايا فساد داخلية وانتخابات الكنيست المبكرة في سبتمبر المقبل، ثم إدانة الأمم المتحدة لابن سلمان شخصيا كمسؤول أول عن قتل الصحفي "جمال خاشقجي"، وأخيرا ثورة أبناء الجنوب اليمني ضد نفوذ الإمارات وطردهم من سوقطرى والمهرة وحاليا من شبوة، لاسيما أن تصريحات الحكومة اليمنية في الرياض باتت موجهة ضد ما تسميه "احتلال إماراتي" للجنوب في رسالة ربما تكون سعودية بالتخلي عن الشراكة مع الإمارات في اليمن.

 

إنما يبقى الموقف الرسمي للثلاثي "إسرائيل – السعودية – الإمارات" داعما للحرب في الخليج مؤكدةً بتصريحات نائب وزير الدفاع السعودي أمس "خالد بن سلمان" عن تأييده للضغط الأمريكي على إيران، وهو ضغط تسبب في الأسابيع الماضية بعمليات عسكرية طالت ناقلات نفط وقصف حوثي شديد لمطارات السعودية، ثم وصلت محطته اليوم بإسقاط أهم طائرة تجسس أمريكية، والقارئ الطبيعي يلمس أن هذا التصعيد هو مقدمة حرب واسعة حتمية.. إنما القارئ المُحلل يرى أن هذا التصعيد ما هو إلا استعراض قوة بين طرفين لدفع أحدهما للتنازل في اتفاق نووي جديد يسعى إليه ترامب ويرفضه الإيرانيون بشدة.

 

رأيي أن الحكومة الإيرانية تستثمر في خلافها مع الولايات المتحدة في زيادة نفوذها الإقليمي وتوسيع شعبيتها في الداخل، فكلما تعرضت للضغط من أمريكا يتعزز موقفها لدى الرأي العام المحلي والإقليمي.. وقد كانت هذه إحدى النقاط التي أثارتها إدارة أوباما السابقة في سعيها للاتفاق النووي، باعتقادهم أن الانفتاح على طهران لن يرفع شعبية الإسلاميين في الداخل كما يظن البعض .. بل سيُخفضه لأسباب سياسية وثقافية واجتماعية أقوى من ثورية النظام ومقاومته للنفوذ الإمبريالي العالمي.. وهي الفكرة التي خدمت الإسلاميين الإيرانيين منذ صعودهم للحكم وتعززت بحرب الثمانينات وظلت مطلبا ثقافيا عنوانه أن الانفتاح على إيران يعزز مجتمعها المدني ويُضعف سلطة رجال الدين.

 

كذلك فالحوثيون أيضا يستثمرون في الخلاف الحاصل الآن باعتبار أن كل تصعيد خليجي أمريكي ضد إيران معناه أنه سيتم تفسير ضربات الحوثي ضد المملكة على أنها جزء من هذا التصعيد فيتورط التحالف مع إيران بشكل يخدم مقاومة الحوثي في الميدان وربما في مفاوضات مقبلة للسلام، لذا فلا يمكن الفصل بين تزامن ضربات الحوثي وكثافتها ضد مطارات السعودية وبين التصعيد الإيراني الأمريكي.. وهذا يؤكد فكرة عدم ولاء الحوثي لإيران بشكل مطلق وعمله أحيانا بمعزل عنها وعن مصالحها.

 

لكن الإيرانيين ربما يعجبهم ذلك لإيصال فكرة ولاء اليمن لإرادتهم واعتبار صنعاء ذراعا إيرانيا مُهمّا يُضعِف قوى التحالف، وهذه الفكرة هي قاعدة تشكيل المحاور العسكرية.. فالمحور العسكري لا يلزمه تنسيق بشكل مباشر أو مشتركات فكرية أو براجماتية لكنه يعمل بنظام "عدوّ عدوّي صديقي" فيعمل هذا المحور بتناسق أذرعه ضد عدوّ واحد دون وجود رابط حقيقي بينهم، وقد حدث ذلك في الحرب العالمية الثانية التي شهدت عدم وجود تحالف حقيقي بين اليابان والنازيين في أوروبا لكنهم عملوا معا ضد جبهة واحدة أيضا لم يكونوا حلفاء بالمعنى العسكري "كأمريكا والاتحاد السوفيتي" وبالتالي فكرة الحروب الواسعة لا يلزمها تحالف بل محاور شديدة التنوع في الفكر والمصالح.

 

هذا يعني أن الحرب بين إيران وأمريكا لن تتوقف ربما على الدولتين بل ستتوسع بنظام المحاور ، ولو طالت وتعقدت ثم تداخلت تفاصيلها ستجر أقدام الصين وروسيا والناتو ، ويظل هذا المصير أكثر ما يخيف البشرية ومبعث قلق دولي ورعب من قيام الحرب العالمية الثالثة التي ستكون على الأرجح أكثر تدميرا من الحروب السابقة، وعليه فالسلام بين الدولتين "أمريكا وإيران" هو في حقيقته سلام عالمي تمت صياغته في الاتفاق النووي واحتفل به العالم، إنما بعد إلغائه من قِبَل ترامب عاد شبح الحرب من جديد تعزز ذلك في إدارة ترامب بتصعيد رموز متشددة كمسؤولين ولدى الإيرانيين كذلك بتصعيد متشددين لقيادة الحرس الثوري.

 

إن التحدي بين إيران وأمريكا لم ينقطع منذ دعم أمريكا للشاه وأحداث الرهائن ومن قبلها الانقلاب على حكومة مصدّق، ففكرة الديمقراطية - كما يفهمها الإيرانيون – هي التي تهدد نفوذ أمريكا في المنطقة لسبق تجاربهم مع واشنطن الداعمة للمستبدين والعسكريين العرب منذ عقود، بالتالي فدعم إيران للإخوان المسلمين في الثورات العربية ربما لم يكن فقط عن أيديولوجيا إسلامية ولكن أيضا عن توسيع فكرة الانتخاب وتمثيل شعوب الشرق الأوسط – الكارهة لأمريكا وإسرائيل – بشكل حقيقي، برغم أخطاء الإسلاميين في كراهيتهم للشيعة واضطهادهم في العراق وسوريا لكن إيران يبدو أنها ما زالت على علاقة جيدة بالإسلاميين تمثل ذلك في تعزية الخارجية الإيرانية مؤخرا في وفاة د. محمد مرسي الرئيس المصري الأسبق.

 

وقد شهدت هجوما شيعيا عربيا على موقف خارجية إيران بسبب هذه التعزية لأسباب تتعلق بمسؤولية مرسي عن مذبحة الشيعة المصريين في أبو النمرس بالجيزة، ودعم الإخوان للجماعات الإرهابية واصطفافهم مع داعش والقاعدة في سوريا ضد الأسد، ثم تصديرهم لخطابات طائفية ضد العراق والحشد الشعبي، كل هذا تسبب في نقمة شيعية عربية على الإخوان على الأرجح لم يتوقعها الإيرانيون.. والأغلب حتى لو شعروا بتلك النقمة فلن يعيروها اهتماما لاعتماد الإيرانيين سياسة التواصل والتأثير في المجتمع السني الكاره لإسرائيل وأمريكا، وهم يعتقدون أن جماعة الإخوان - وبرغم سقوطها في مصر - لكن تظل أكبر حزب شعبي مؤثر في مجتمعات السنة العرب والمسلمين والتواصل معهم يعني زيادة شعبية إيران وتصدير مبادئ ثورتهم العليا.

 

من جانب آخر لا يمكن استبعاد فكرة الأطماع الأمريكية في ثروات إيران عن الصراع الحالي، فإيران تملك رابع أكبر احتياطي نفطي في العالم وثاني أكبر احتياطي للغاز، والسيطرة على تلك الثروات يعني التحكم في أسعارها عالميا.. هذا بافتراض أن أمريكا لن تسرق تلك الثروات لحسابها مثلما فعلت في العراق بدعوى تعويض أمريكا كلفة إسقاط صدام حسين، لكن تظل هذه الفكرة مجنونة لتعلقها بطرف أقوى عشرات المرات من العراق الصدّامي ولديه نفوذ إقليمي وحلفاء دوليون متحمسون لخدمته، وما يجهله الأمريكيون عن فلسفة سكان هذا البلد منذ آلاف السنين التي لم تتخل عن مبدأ المقاومة المكتسب من صراع النور والظُلمة في الدين الزرادشتي وتأثيره منذ عهد الإخمينيين في بناء إمبراطورية إيرانية لم تندثر أبدا وظهرت في كل فصول التاريخ بأسماء مختلفة.

 

لكن تبقى ثوابت ترامب في النهاية ليست عسكرية إنما تجارية سياسية، وقد تتحول تلك الثوابت لنقطة ضعف في ما إذا قرر الخصم أن يُصعّد من لهجته، وخلال الأسبوعين الماضيين وجدنا تصعيدا إيرانيا ورفضا لوساطة اليابان وأمس رفضوا وساطة عُمان بعد إسقاط الطائرة.. يذهب كل ذلك لتأكيد أن الإيرانيين علموا طبيعة النظام الأمريكي بالوقوف على نقاط ضعفه ويعملون على استنزاف قواه الخارجية لصالح قوى داخلية ربما لحساب الديمقراطيين، وقد دفع ذلك ترامب لاتهام خصومه في الحزب الديمقراطي بالتنسيق مع إيران وحثهم على رفض التفاوض.. وعلى كلٍ فوضعية ترامب باتت مأزومة بين تصعيد إيراني ورفض محلي لخوض الحرب معها، فلربما كان هذا التأزيم مقصودا من الديمقراطيين لعقاب ترامب على انسحابه من الاتفاق النووي لاسيما أن الحزب يعتبر ذلك الاتفاق أعظم إنجازاته الدبلوماسية في العقود الأخيرة والتي ستهيئ مستقبلا لحل مشكلة فلسطين.

 

مكمن التحدي في الظرف الراهن هو حفاظ كل طرف على نقاط تفوقه وعدم خسارة أي جولة أو وضع مصالحه ضمن نطاق الاستهداف، وهذا دفع أمريكا أمس لحظر وتعليق كافة رحلاتها الجوية فوق المجال الجوي الإيراني.. خاصة المتجهة منها إلى آسيا خشية تعرضها للاستهداف في هذا التوقيت فتشتعل الحرب التي يهرب منها الجميع في الداخل الأمريكي سوى الثلاثي (ترامب – بولتون – بومبيو) وهذا يدل أن القرار السيادي الأمريكي لا يملكه الرئيس وإدارته بشكل مطلق.. بل مجموعة مصالح مسيطرة على البنتاجون وجماعات ضغط تخشى من انفلات الوضع في الشرق الأوسط وبالتالي تأثر إسرائيل، أو احتمالية تأثر صراعهم التجاري مع الصين بما يحدث فتربح بكين أدوات ضغط تساعدها في حسم هذا الصراع التجاري والمالي لصالحها.

 

أما بالنسبة لإيران فيهمها الضغط على ترامب الآن لوقف خطة حصارها اقتصاديا من ناحية ونتائج هذا الضغط المتوقعة بخفض شعبية ترامب وصقوره، مع التزام خطابها السلمي والتواصلي مع دول الخليج لإمكانية عقد اتفاقية "عدم اعتداء" يسعى لها خامنئي، وهذا يلزمه نشاط ردع عسكري موازٍ للعمل الدبلوماسي بهدف تكثيف الضغط  - الدولي والإقليمي- على السعودية والإمارات لإرغامهم على عقد الاتفاق، وقد رأينا تجليات ذلك بنشاط عسكري للحرس الثوري في مياه الخليج وتهديدات بعقاب أي طرف متعاون مع أمريكا في اعتدائها على طهران مصحوبا بنشاط آخر دبلوماسي من سلطنة عُمان والعراق للتوسط بهدف قبول الاتفاقية.

 

هذه أبرز ملامح التصعيد الآن وخطة عمل كل فريق مع العلم أن عدم رد أمريكا عسكريا على إيران بعد سقوط الطائرة سيمثل هزيمة لترامب على كل المستويات وتشجيع أطراف أخرى للتعاطف مع الرؤية الإيرانية، وهذا يتطلب منه إما القيام بعمل عسكري محدود لعدم استفزاز إيران بالرد الواسع أو الاتفاق مع إيران على خروج مشرف لأمريكا من تلك الأزمة، وكلا الأمرين باتا مستحيلين بعد رفض وساطة عمان من قِبَل الإيرانيين والتي نقلتها رويترز مبتسرة عن مسؤولين إيرانيين بأن مسقط حملت رسالة عن ضربة عسكرية أمريكية وشيكة للحرس الثوري.. وخروج قائد الحرس بعد ذلك لنفيها يعني رفض تلك الوساطة وبالتالي رفض أي اتفاق لخروج مشرف لترامب من الأزمة وحمله لخيارات قد يواجه بها خصوما محليين أكثر من خصومه في الخارج.

 

فأخطاء ترامب الدبلوماسية وتهجمه الدائم على قيادات الحزب الديمقراطي وباتهاماتٍ فجّة وصلت لحد وصف نائبة ديمقراطية في الكونجرس بالتعاطف مع إرهابيي 11 سبتمبر ، وكذلك إشارته بالتمديد لولاية ثالثة في اختراق غير مسبوق للدستور الأمريكي مما دفع نانسي بيلوسي للهجوم والتشكيك في نوايا ترامب بتسليم السلطة سنة 2020 في حال خسارته، إضافة لقانونه الأخير بتجريم إهانة العَلَم الأمريكي مما يعني تنكراً لحرية التعبير الفاحش سلميا عن الرأي المنصوص عليه في القانون وبسببه يستطيع أي أمريكي التعبير عن رأيه ولو بحرق عَلَم بلاده.. كل هذا أدى لانفصال وجداني بين إدارة ترامب وبين خصومه ورأي الشارع في تقرير لسلطة علوية مستبدة على غير نمط الحياه الأمريكية طوال 100 عام ولو خرجت تلك الحياه في الأخير بشكل لا يؤثر على صناع القرار وحكام أمريكا الحقيقيين من جماعات الضغط والمصالح.

 

إننا في الأخير أمام طرفين يخشيان بعضهما في نفس الوقت يعملان على التصعيد بقصدية الردع النفسي، وكلاهما يعشق استعراض القوة لجذب الأنصار والمتعاطفين كذلك يتمتع الطرفان بقدرة عالية على ممارسة الحرب النفسية والإعلامية بشكل قوي، لكن الفارق ربما يظهر في امتلاك إيران المبادرة بقرارات أهمها الذي يخص الاتفاق النووي والتهديد برفع نسب التخصيب ثم الانسحاب نهائيا من الاتفاق، وهذا سيترتب عليه تحدٍّ خاص لأمريكا بمنع امتلاك إيران لهذا السلاح وما يتبعه من ضرورة شن حرب لن يدعمها مجلس الأمن وتسيطر على مجرياتها طهران من الآن بتهيئة المنطقة لها مبكرا.. وكأن الإيرانيين يقرأون مستقبلهم ويدفعون المنطقة للخيار بين أمرين كلاهما مر: إما السلام الشامل وبالتالي تخلي السعوديين عن طموحاتهم في التمدد داخل مناطق النفوذ الإيراني في اليمن والعراق وسوريا وغزة ولبنان، وإما الحرب التي ستشعل كل هذه المناطق لمعارك إقليمية واسعة لن يتوقف خطرها على حدود الشرق الأوسط.


مقالات الرأي المنشورة لا تعبر بالضرورة عن الصحيفة

الدلالات

باحث تاريخي وفلسفي