تجاوز إلى المحتوى الرئيسي

خليج الناقلات المحترقة تحت توازن رعب تخلخله ضغوط الوقت

نُشِر
2019/06/18 7:13 م
تحديث
2019/06/18 7:58 م
تغيير حجم الخط

صحيفة التمكين تحليل

 

الهجمات الأخيرة ضد ناقلتي النفط في خليج عمان حدثت قبيل ساعات من موعد اللقاء المنتظر في طهران بين المرشد الأعلى خامنئي ورئيس الوزراء الياباني المرسل كوسيط اختاره الرئيس ترامب و جعله أشبه بمبعوث شخصي إذ زوده برسالة للمرشد الإيراني الذي لطالما رفض أي تواصل مباشر مع ترامب وأكد ذلك قبل أسابيع برفض الاتصال برقم هاتف ترامب المعروض عليه عبر الرئيس السويسري. لهذا كان متوقعا أن خامنئي سيرفض استلام رسالة ترامب أو الرد عليها.

هذا السياق يصلح لتفسير تفجير الناقلات كأحد عناصر أسلوب العصا و الجزرة، فرسالة ترامب التي جاء بها الوسيط الياباني هي الجزرة، أما التفجيرات فهي العصا التي تم التلويح بها قبل اللقاء بساعات لتحذير المرشد مما ينتظره إن واصل رفض محاولات ترامب للتفاوض المباشر.

ولأن خامنئي أظهر اشمئزازه من جزرة ترامب  كما لم يكترث بتلويح العصا فقد انتهى اللقاء دون تحقيق آمال ترامب في استدراج أو جرجرة إيران لطاولة المفاوضات تحت الضغط لتجلس في مركز الضعيف المجبر على القبول بشروط ترامب. 

 

المفترض أن هذا التجاهل الإيراني لكل أنواع الضغوط يجعل ترامب ملزما باتخاذ إجراءات تصعيدية أو رادعة، لكنه يعجز عن ذلك في ضوء تعقيدات موازين القوى واحتمالات انفلات الأمور إلى التسبب بكوارث تلحق بمصالح أمريكا وقد تطيح ببعض حلفائها في المنطقة.

هكذا يمكن فهم كيف انتهى تأثير عملية تفجير الناقلات على مجريات الواقع لينحصر في فضاء التصريحات الإعلامية والبورصة النفطية.

 

 

بالنتيجة، يبدو الرئيس الأمريكي في مأزق صعب يزداد تعقيدا باستمرار، فكل الإجراءات التي يبذلها للضغط على الإيرانيين من خلال العقوبات والحشود العسكرية قد فشلت، وحتى التهديد بالضربات العسكرية لم يفلح رغم وجود مبررات تنفيذها متمثلة في تفجيرات ناقلات النفط التي تصلح لتكون سببا لبدء الحرب العقابية ضد إيران بنفس الأسلوب الذي كانت تستعمله الدول الاستعمارية، كبريطانيا العظمى سابقا، لتبرير احتلال الدول الضعيفة. ولا داعي للتذكير بأن أمريكا بدأت شن الحرب على فيتنام بعد هجوم غامض استهدف إحدى سفنها هناك.

 

منطقيا، وسواء كان منفذ التفجيرات هم الإيرانيون أو الأمريكان أو طرف ثالث، فإن حدوثها قد منح الدولة العظمى مبررا كافيا لتنفيذ تهديداتها السابقة، لكن حساسية منطقة الخليج كمركز عالمي لإمدادات النفط، وحجم القدرات العسكرية الإيرانية الكافية لتوسيع نطاق المواجهة وأمدها، كل هذا يجعل خيار الحرب فكرة كارثية، و لذا فإن الرئيس ترامب لم يهاجم إيران استجابة لنصائح الخبراء العسكريين في جيشه، وهي نصائح يمكن استنتاج محتواها من التصريح الصادر عن القيادة المركزية للقوات الأمريكية الذي جاء فيه أن "الدخول في حرب مع إيران ليس من مصلحتنا الاستراتيجية".  بل وهناك من يتوقعون أن النتيجة المتوقعة للحرب مع إيران ستكون أكثر سوءا مما حدث في فيتنام.

 

 

الآن و بعد فشل سياسة العصا و الجزرة، ما الذي سيفعله ترامب؟ وإلى أين ستتجه الأمور؟

على الأرجح، لا يملك الرئيس ترامب خطة مضمونة النجاح لتركيع إيران أو لإدارة الصراع معها في الفترة المقبلة، هذا ما يبدو من سياق الأحداث وما توحي به إجابته على سؤال شبكة فوكس نيوز بشأن ما سيفعله بعد اتهامه لإيران بتفجير الناقلتين، إذ بدا من نبرته أنه بالفعل لم يجد جوابا غير القول؛ "سوف نرى".

 

أساس الأزمة وجذر حالة الاحتقان الراهنة هو أن ترامب ألغى الاتفاق النووي الذي وقعه سلفه مع إيران معتقدا أن بإمكانه فرض اتفاق آخر على الإيرانيين بشروط أقسى بحيث يتضمن تقييد إيران في ملفات أخرى مثل إلزامها بالتخلي عن دورها الإقليمي المناهض لإسرائيل بما في ذلك عدم عرقلة المشاريع الأمريكية الجارية في المنطقة، كما يأمل ترامب أيضا تقييد القدرات الصاروخية للجيش الإيراني ومنعه من صناعة وتطوير الصواريخ الباليستية... إلخ.

في المقابل ترفض إيران أي تفاوض خارج بنود الاتفاق النووي الموقع سابقا. و هي في موقفها هذا صارمة تماما و لا تبدي أي استجابة للضغوط و التهديدات أو حتى لما يلوح به ترامب من إغراءات مستقبلية.

 

هكذا لا يبدو أن لدى ترامب خيارات أخرى غير فرض مزيد من العقوبات الاقتصادية التي هي بطبيعتها بطيئة المفعول و تتطلب منه الانتظار حتى تحقق النتائج المأمولة لزعزعة الاقتصاد الإيراني، و هو أمر يتطلب وقتا أطول مما يملكه ترامب كما يستوجب قبله النجاح بعزل إيران لتحجيم قدرتها على التأثير في مسار صفقة القرن الجارية...

 

لهذا فإن عامل الوقت يصلح كأساس لتفسير ما يجري و استنتاج مآلاته بل و اقتراح الحلول أيضا، ففي الحالة الراهنة يمثل عامل الوقت العنصر الأكثر حرجا و الأشد ضغطا. إذ أن فكرة انتظار مفعول العقوبات لإخضاع إيران يقابله الخوف من كون مرور الزمن يمنحها المبرر للتخفف من التزاماتها في الاتفاق النووي، إذ يخشى الأمريكان و الأوروبيون من تنفيذ إيران لتهديداتها الموجهة لدول 5+1 عند انتهاء المهلة التي منحتها للأوروبيين لتنفيذ التزاماتهم الاقتصادية وفق الاتفاق، فانتهاء المهلة سيعني عودة إيران لممارسة بعض أنشطتها النووية و أخطرها البدء بعمليات التخصيب المرتفع لليورانيوم مع تخزين ما تقوم بتخصيبه، و هذا أسوأ ما يخشاه خصومها إذ أن مراكمة تخزين اليورانيوم مرتفع التخصيب والماء الثقيل سوف يتيح لها خلال فترة قصيرة امتلاك الكمية الكافية لإنتاج قنبلة نووية، رغم تأكيدها المستمر أنها لا تريد صناعتها، لكن مجرد امتلاك القدرة والمواد اللازمة لإنتاجها سيغيّر موازين القوة إذ سيكون لديها القدرة الفورية على صنع أسلحة نووية إن قررت ذلك يوماً ما، وهو ما يعتبره الأمريكان والإسرائيليون خطرا مؤكدا يضعون حول الاحتمالات المؤدية إليه الكثير من الخطوط الحمراء.

من ناحية أخرى يريد ترامب الانتهاء من هذه الأزمة قبل بدء سباق الانتخابات الرئاسية المقبلة، كون بقاء المشكلة سيمثل إثباتا دامغا على فشل سياساته فهو لا يستطيع إلغاء قرار الانسحاب من الاتفاق النووي لأن ذلك سيضر بصورته في أعين الناخبين، كما لا يستطيع المغامرة بتوجيه ضربات عسكرية لإيران كون ذلك سيعني إشعال حرب لا يمكنه التحكم بمدى توسعها و لا تحديد أمدها، ناهيك عن تكلفتها المتوقعة ماديا و بشريا و مدى الضرر الذي سيلحق بحلفائه في المنطقة و بالاقتصاد العالمي كنتيجة طبيعية لها.

 

هذه المعطيات تجبر جميع اللاعبين على تركيز جهودهم للعب في حدود المدى القريب جدا، وضمن هذا النطاق الزمني تتبدى الفرصة الأهم التي قد يمكن انتهازها لحلحلة الأمور نحو الانفراج أو فكفكة بعض عناصر التأزم الحرجة على الأقل. تلك الفرصة هي انعقاد قمة العشرين نهاية الشهر الجاري في اليابان التي هي الوسيط الأهم بين طرفي النزاع في الخليج، ففي القمة سيجتمع قادة الدول المشاركة في الاتفاق النووي، و بالطبع ستحضر السعودية وإلى جانبها الدول الغنية المعنية بالأمر و تداعياته الاقتصادية.

حتى ذلك الحين، لا يتوقع أن ينزلق الوضع في الخليج نحو المزيد من الاحتقان أو المواجهات الخشنة، إلا إذا استجدت استفزازات أو أحداث مرتبطة بانعقاد مؤتمر المنامة الاقتصادي الخاص بتمويل صفقة القرن مطلع الأسبوع القادم. ما لم فسيبقى التوتر ضمن مستوياته الراهنة حتى نهاية هذا الشهر بما ستسفر عنه فعاليات قمة العشرين.

 

الآمال المنتظرة من وراء قمة العشرين لا تتعلق بالقمة ذاتها بقدر ما تتركز في ما سيجري على هامشها من لقاءات القمة الثنائية المخطط انعقادها بين رؤساء الدول العظمى و أبرزها لقاء قمة روسية أميركية، فمن المنتظر أن يتركز لقاء ترامب و بوتين حول بحث الأزمة في مضيق هرمز بما في ذلك مناقشة مبادرة روسية لحل الأزمة، أو على الأقل الوصول لتفاهم يؤدي لمعالجة أسباب التوتر و تقليل احتمالات الصدام العسكري، بما يسهل التوصل لوضعية بديلة أقل احتقانا و أكثر استقرارا كمثل أن يقبل ترامب بتخفيف عقوباته على طهران إلى حدود تسمح للدول الأوربية بتتفيذ التزاماتها الاقتصادية نحو إيران كوسيلة وحيدة لاستمرار التزام الأخيرة ببنود الاتفاق النووي و أهمها عدم رفع مستوى تخصيب اليورانيوم. و بالطبع ستدعم الدول الأوروبية هذه المبادرة الروسية و قد يجد فيها ترامب مخرجا من ورطته الحالية بحيث لا يلغي قرار الانسحاب من الاتفاق النووي.

صحيح أن التوافق على مثل هذا الحل المتواضع لن يقضي على جذور المشكلة لكنه يوفر الحد الأدني من الاستقرار لبضع سنوات قادمة.

 

إن لم يحدث ذلك فستبقى احتمالات التصعيد والتوتر المتزايد قائمة و ربما تتعاظم إلى مرحلة تنفلت فيها الأمور فجأة نحو الحرب بطريقة غير محسوبة نتيجة فرط التأزم و وجود أطراف تعمل خفية على إشعال فتيل الانفجار الذي ستدفع ثمنه الأكبر دول المنطقة.

وإذا لم تصل الأزمة لحلول فعلينا انتظار المزيد من الهجمات التخريبية ضد ناقلات النفط في الخليج العربي ما دام التحفز القتالي للأساطيل الأمريكية مستمراً، إذ ستتكرر الهجمات بغض النظر عن منفذيها وسواء كانت أغراضهم متجهة نحو دفع الأمريكان لتفجير الحرب، أو للضغط على إيران بتخويفها من عاقبة عدم الانصياع للإرادة الأمريكية، أو حتى أن تكون تعبيرا عن التحدي و الرفض للحشود الأمريكية أو الانتقام ردا على العقوبات ضد إيران.

فما دامت الظروف التي خلقت الأزمة قائمة سيكون علينا توقع المزيد.

 


 للمزيد من الأخبار التي تهمك تابعنا على تويتر

تغطية خاصة