تجاوز إلى المحتوى الرئيسي

بشار البغلي يكتب: عندما أصبح البار حلالا

نُشِر
2019/06/17 7:08 م
تحديث
2019/06/17 7:22 م
تغيير حجم الخط

 

صحيفة التمكين-رأي

بشار البغلي

الشيخ: ناولني من الكاس اللي جنبك جزاك الله خير.

أحد الأتباع: ولكن يا شيخ من انولدنا وتقولون لنا إن هذا محرم ومن يشربه من كلاب أهل النار.

الشيخ: ما عليك بس الدين يسر والأمور طيبة.

أحد الأتباع: طيبة في ايش؟ واحنا قضينا كل حياتنا نحرم ونقمع ونحارب كل شخص قام بهالسوالف لأنها حرام.

الشيخ: يا كثر المجانين اللي صدقونا، وسع صدرك بس ومزمز من هالكاس الحلال وبتنسى كل شيء.

الحوار السابق تخيلي، ولكنه في الحقيقة يعبر عن مأساة عاشتها أمتنا منذ قرون. واقع تم من خلاله استغلال الدين وتوظيفه بأبشع صورة من أجل السيطرة على البشر واستعبادهم والتحكم بشؤونهم الخاصة. فكيف لأكثر المدارس السلفية تطرفاً والتي خرج من رحمها أشد الحركات التكفيرية فتكاً مثل القاعدة والنصرة وبوكو حرام وداعش أن تتحول بين ليلة وضحاها إلى جهة لا تخرج أغلب فتاواها عن الرقص والغناء والشرب؟ من نحر للرؤوس وأكل للأكباد وتفجير للمساجد والقتل على الهوية إلى الديسكو والبار والملاهي؟! ما هذا التغيير الراديكالي؟ فكيف قبل هؤلاء المشايخ بأن يتحولوا إلى ميكي ماوس لإرضاء رغبات دونالد ترامب على حساب عقيدتهم ودينهم وثوابتهم؟  

ما نراه اليوم من كارثة أخلاقية باسم الدين يؤكد على أن الدين يلوث عندما يقحم في السياسة. ففي الأمس كانت سياسة بعض الحكام متشددة ومتزمتة فكان الدين متشددا وقمعيا ويحرم كل شيء. واليوم قرر الحاكم أن يغير النهج السابق وبالتالي تحول الدين الجديد إلى مراقص وبارات والأهم من ذلك بأنه بالحلال، لكي يطمئن المؤمن بأن كل رشفة وكل هزة وفق الضوابط الشرعية! وهذا الأمر لا يقتصر على الوهابية فقد سبقهم بذلك الإخوان المسلمون عندما قبلوا بشواطئ للعراة وبزنا مباح وبكل ما تشتهيه النفس طالما كان برعاية ولي أمر المسلمين رجب طيب أردوغان. والملالي كذلك قاموا بنفس الأمر المشين في عهد شاه إيران، حيث قام هؤلاء بتحليل كل شيء وفقاً لشهوات الحاكم وليس الشرع آنذاك.

هذا القص واللزق باسم الدين بشع للغاية، ولا يمكن لعاقل أو متنور أن يرى جميع هذه التناقضات ويقبل بها. إن كان كافة هؤلاء المشايخ وأمام أعيننا يغيرون فتاواهم التي تمسكوا بها منذ قرون من أجل إرضاء بشر مثلهم فكيف نثق بهم؟ كيف تسلم حياتك وحياة أسرتك بيد حفنة من المتاجرين بدينك؟ كيف تصحو وتنام كل يوم بهدف إرضاء شيخ قرر أن يترك رضا الله من أجل رضا السلطان؟ قد يرد علي مؤمن غاضب ويقول هذا دين والدين خط أحمر يا جاهل! وأنا أرد عليه بأن الله عندما خلقك وعندما سيحاسبك ستكون لوحدك ولن يكون معك شيخك في القبر. فإن كنت عاجزا عن العيش بدون شيخ يوجهك ويقودك كما تقاد السيارة، فربما أنت غير مستعد للموت وستفشل فشلاً ذريعاً ويكون مصيرك جهنم لأنك اعتدت على أن تكون تابعا لا أكثر.

ومن سوء حظ من يقطن في الكويت بأن هؤلاء المتاجرين بالدين يملكون وزارات ومؤسسات وهيئات ونواب! بمعنى أن التدخل بحريات الناس الفردية لم يقتصر على المدرسة وجهة العمل والمسجد وإنما أصبح من كل حدب وصوب. فنفس هذا المتطرف الذي صمت كالقبور في موضوع الحفلات والبارات في المملكة يحارب الاختلاط وممارسة رياضة الركض للنساء في الكويت وكأنها ستكون سببا بقيام الساعة إن لم نوقفها. كذلك ذلك الحزبي المتلون الذي في كل صغيرة وكبيرة يذكرنا باتباع النموذج التركي الحضاري بينما هو لا يزال يطالب بفرض الحجاب وتقييد عمل المرأة بحجة أن مكانها المنزل وخدمة الزوج، وبالمقابل يتغاضى عن كافة أشكال الانحلال في تركيا!

بربكم هل هؤلاء أهل للثقة؟ وهل هؤلاء يستحقون منا كل هذه المداراة تجنباً لجرح مشاعرهم المرهفة؟ اللحية التي لا تحشم نفسها لا تحشمها، واللحية التي تقلب الحرام حلالا والحلال حراماً بين يوم وليلة لحية غير محترمة. ومن مهازل هذه اللحية بأنها تحاول إقناعنا بأن عيد الحب حرام، وشجرة الكريسماس بدعة، ومعايدتي لصديقي غير المسلم شرك، بينما الهز والرقص والبارات وجميع أنواع الخمور والمسكرات ببلاد الحرمين وتحت رعاية سموه أصبحت مباحة بل وربما تصدر فتاوى بوجوب فعلها لدخول الجنة...!


مقالات الرأي المنشورة لا تعبر بالضرورة عن الصحيفة.