تجاوز إلى المحتوى الرئيسي

نجران تحت النار.. قراءة في معطيات الميدان حول نجران

نُشِر
2019/06/11 9:25 م
تحديث
2019/06/11 11:14 م
تغيير حجم الخط

صحيفة التمكين - أخبار وتقارير

هجوم واسع نفذته حركة أنصار الله "الحوثيين" ومعها قطاع واسع من الجيش اليمني في الحد الجنوبي وتحديداً نجران قبل أيام، تمكنوا خلاله من السيطرة على عشرين موقعًا سعوديًا ضمن مساحة 40 كيلومترا مربعا خلال 72 ساعة فقط بعد أن قالوا إنهم دمروا خلال السيطرة 20 آلية ومدرعة (أي ما يقارب قوة لواء عسكري) ناهيك عن عشرات القتلى والجرحى بحسب تصريحات الناطق العسكري اليمني العميد يحيى سريع.

اللقطات التي عرضها ما يعرف بالإعلام الحربي اليمني عن الهجوم تضمنت مشاهد كافية لتأكيد الواقعة التي لم يرد بيان رسمي من السعودية بنفيها، ولعل الحدث الأكثر دلالة في هذا الصدد هو الزيارة التي قام بها وزير الدفاع اليمني التابع لحكومة صنعاء إلى الخطوط الأمامية في جبهة نجران وتفقده لجنوده المرابطين هناك.

حيث ظهر الوزير في مقاطع الفيديو التي بثها الإعلام الحربي اليمني مطلاً على منطقة نجران ليوجه من هناك رسالة تفيد بأن الأشهر القادمة ربما ستشهد معارك حاسمة، قائلاً: "نبشر الشعب اليمني ونعدهم أن النصر قريب... ما هي إلا عدة أشهر".

 

فأن تأتي هذه الزيارة من صاحب أكبر منصب عسكري يمني في اليوم التالي لهجوم واسع أسفر عن السيطرة على مواقع الحامية العسكرية لإمارة نجران، فهو أمر لا يجوز حصر دلالاته في جانب الإنجاز المعنوي أو الدعائي ضد الجيش الوطني للمملكة، إذ أن أبسط ما يمكن استنتاجه هو أنها رسالة تحمل دلالات وهي أن الحوثيين استطاعوا بسط سيطرتهم وتأمين الطريق إلى منطقة نجران بدرجة تكفي لضمان سلامة وزير دفاعهم في ذهابه وعودته رغم السيطرة الجوية المطلقة لقوات التحالف التي تنفذ مئات الطلعات الجوية بشكل يومي في منطقة العمليات على جهتي الحد الجنوبي.

النتائج المترتبة على تلك التطورات تبدو أكثر خطورة مما يظن الكثيرون، فأولى نتائجها هي قدرة الحوثيين في تأمين طريق مقاتليهم حتى مشارف إمارة نجران واستكمال بسط نفوذهم على السلسلة الجبلية المحاذية للإمارة التي صارت تحت مرمى أسلحتهم المتوسطة بما يمكنهم من تغطية أي تقدم قد يقررون تنفيذه لاقتحامها.

والحديث عن خطر اقتحام الإمارة له ما يبرره كما سيأتي من توضيح لمستجدات الميدان. والبداية من كون الوضع الحالي يشير إلى أن الحوثيين قد غيروا تكتيكاتهم السابقة أو أنهم يمهدون لمرحلة مختلفة من الحرب، فخلال السنوات الماضية كان الإعلام يقول إن الحوثيين يقتحمون المواقع السعودية ليصادروا السلاح والذخيرة ويدمروا المواقع السعودية ثم يعودون إلى مخابئهم لتجنب القصف الجوي، أما الآن فقد عمد الحوثيون لبناء مواقع متقدمة يتمترسون فيها على رؤوس الجبال التي توفر لهم ميزة سيطرة قتالية على ما تحتها.

الحديث هنا عن محيط إمارة نجران ولا توجد دلائل عما إن كان ذلك ينطبق على مناطق أخرى داخل الأراضي السعودية.

بالنظر لوقائع السنوات الأخيرة من حرب "عاصفة الحزم" نرى أن قوات التحالف لم تحقق أي إنجاز ملموس أو تقدم فعلي بعد السنة الأولى سوى توغلها الخطي في الشريط الساحلي الضيق غربي اليمن باتجاه مدينة الحديدة، ذلك التوغل كانت أبرز نتائجه الفعلية هي تشتيت ألويتها العسكرية ومعداتها على طول الساحل الغربي بعد عجزها عن اقتحام مدينة الحديدة، حيث تعثرت هناك ووقعت في فخاخ حرب الاستنزاف على امتداد الساحل من باب المندب حتى الحديدة مستهدفين قوات التحالف وإمداداتها بالكمائن والهجمات المتواصلة حتى بلغت خسائر التحالف مئات الآليات العسكرية بجنودها وحمولتها، كما خسر الحوثيون الكثير من عتادهم ومقاتليهم، لكنهم حافظوا على استمرار سيطرتهم على مواقعهم الاستراتيجية.

في مقابل فشل قوات التحالف، يعترف السياسيون الأمريكيون والبريطانيون الداعمون الرئيسيون للتحالف أن "أنصار الله" قد حققوا خلال السنة الأخيرة فقط إنجازات على مستوى تطوير أسلحتهم النوعية وإثبات قدرة الوصول بطائراتهم المسيرة إلى العمق السعودي والإماراتي لاستهداف أهم المرافق الحيوية بدقة عالية، أو من حيث التوغل البري داخل الأراضي السعودية. وبهذا الصدد يمكن مراجعة مخرجات قمم مكة التي ركزت على صواريخ أنصار الله وطائراتهم المسيرة لتأكيد مدى جدية الخطر الذي تمثله على المملكة السعودية. 

المرحلة القادمة

معطيات الميدان في السنة الأخيرة تؤكد أن "أنصار الله" انتقلوا من وضعية التركيز على الدفاع إلى وضعية الهجوم الساعي لتحقيق نتائج على الأرض بدلاً من هجمات الكر والفر، حيث بدأوا بتأمين جبهاتهم الداخلية بتقدم واسع في جبهات مأرب والجوف والضالع ليزيحوا خطوط المواجهات هناك لمسافات كبيرة بما يكفي لتأمين مناطق سيطرتهم ضد احتمالات الاختراق المباغت، فيما يبدو أنه خطوة تمهيدية يرونها ضرورية تسهل لهم التركيز على جبهات الحدود لنقل ضغطهم الهجومي إلى الداخل السعودي الذي بدا أنه الخاصرة الرخوة للتحالف.

إذ يعتقد أنصار الله "الحوثيون" أن توغلهم المباشر لإسقاط مناطق سعودية هامة سيخلخل العرش السعودي أو على الأقل سيجبر التحالف على الرضوخ لشروطهم الخاصة بوقف الحرب، هكذا يمكن تفسير ما يحدث الآن على مشارف نجران والوعد الذي أعلنه وزير دفاع حكومة صنعاء الموالية لأنصار الله عن نصر قادم خلال عدة أشهر.

لكن، ربما يبقى العامل الحاسم هو مدى قدرة الحوثيين ومعهم قطاع واسع من الجيش على اقتحام إمارة بحجم نجران التي تبلغ مساحتها 360000 كم2.

صحيح أنه مع تكرار إخفاق الجيش السعودي، سواء بقوات حرس الحدود أو الحرس الوطني، عن التصدي لهجمات الحوثيين منذ السنة الأولى للحرب، فقد اضطر النظام السعودي لاستقدام تعزيزات كبيرة من الجنود السودانيين والمجندين اليمنيين التابعين للحكومة الموالية للسعودية، حيث تم وضعهم في الخطوط الأولى لمواجهة الحوثيين لكن ذلك لم يغير كثيرًا من موازين القوى في الحد الجنوبي ولا أوقف قدرة الحوثيين على اقتحام المواقع العسكرية، كما تأكد ذلك من خلال وقائع الميدان هناك، وأوضحته قناة الجزيرة في فيلم وثائقي بثته في أيلول 2018 عن مستجدات معارك الحد الجنوبي للمملكة. وقالت إن "ما كانت عاصفة خارج الحدود باتت حرباً على الحدود، هكذا تبدو حرب السعودية على اليمن في عامها الرابع بعيدة عن توصيف البدايات حين قال ابن سلمان: سنحسمها في أيام معدودات."

لا داعي للتساؤل عن الميزانيات الطائلة المخصصة للجيش السعودي ومشتريات السلاح المهولة، ولا عن جدوى تقنيات الرصد والمراقبة الحدودية التي تبدأ من كاميرات الرصد الحراري ولا تنتهي عند طائرات الاستطلاع والتجسس بل تشمل أيضًا استئجار خدمات الرصد والإنذار والتتبع بالأقمار الصناعية! فكل ما سبق لم يفعل شيئًا حيال زيارة وزير دفاع الحوثيين للعمق في نجران.

وإن كان لا بد فعلينا أن نتساءل عن نجران، وما الذي يمكننا فعله لتجنيبها الكارثة التي إن حدثت فلن تتوقف عندها. ثم لنتساءل عن جدوى الاستمرار حتى اليوم في حرب لم تحقق من أهدافها المعلنة أي شيء.

علينا أن ننظر للواقع كما هو وكما تراه شعوب العالم من حولنا، فمغامرات الغلام الطائش محمد بن سلمان قد جعلت جيش بلاد الحرمين مسخرة بين الأمم بعد أن تلطخ بأوزار جرائم حرب فظيعة أفقدته التعاطف والاحترام. وها نحن على أعتاب مرحلة جديدة من الحرب التي ظنها ابن سلمان حربًا استعراضية سهلة ومضمونة النتائج، فأشعلها كي يحصل من ورائها على لقب القائد المنتصر لإثبات الجدارة بالعرش، لكنها صارت تنذر بما هو أسوأ لمناطقنا الرئيسية وأشد إهانة للبلاد وأهلها واستباحة لأرضها.

فما هو رأي قادة الجيش المخضرمين الذين يقودهم محمد بن سلمان في حروبه العمياء دونما وعي أو بصيرة؟

وهل سنجد بين قيادات الجيش من تحركهم النخوة والشرف العسكري ليقرعوا أجراس الإنذار في وجه الصبي الأحمق؟ أو ليعلنوا رفضهم الاستمرار في توريط الجيش بجرائم لن تسقط بالتقادم وسيأتي اليوم الذي تطارد قادته المحاكم الدولية.

هل سيظهر فيهم من ينصحون الصبي الطائش ويفتحون عينيه على ضرورة وقف الحرب التي بدأناها من الجو قبل خمس سنوات ثم ها هي ترتد إلينا زاحفة بأهوالها على الأرض؟

تغطية خاصة