تجاوز إلى المحتوى الرئيسي

د. بشار البغلي يكتب: البدون مأساة لا يرغب أحد في حلها

نُشِر
2019/06/10 9:42 م
تحديث
2019/06/10 9:52 م
تغيير حجم الخط

صحيفة التمكين رأي

بقلم د. بشار البغلي

البدون أو عديمو الجنسية هي مجموعة تعيش في الكويت منذ خمسينيات القرن الماضي ولكن إلى يومنا هذا ترفض الحكومة الكويتية أن تمنحهم الجنسية الكويتية.

معظم البدون كانوا يعملون بالسلك العسكري قبل الغزو العراقي الغاشم عام 1990م على الكويت. واليوم مأساة البدون أصبحت لعنة تلاحق دولة الكويت في المحافل الدولية والحقوقية بسبب سوء الأحوال التي تعيشها هذه الفئة في دولة تدفع الملايين من أجل أن تصنع لنفسها لقبا متعلقا بالإنسانية.

المثير للدهشة في موضوع البدون، هو بأن نفس هذه الحكومة قامت بتجنيس سياسي بالجملة وضربت التركيبة والهوية الكويتية في مقتل عندما جنست ما يقارب مئات الآلاف من أشخاص ليس لهم علاقة في الكويت وثقافتها لا من بعيد ولا من قريب. ولكن تم تجنيس هؤلاء لأسباب سياسية صرفة.

والكويت اليوم تدفع ضريبة تجنيس هؤلاء، فهذه المجموعة جاءت بثقافة دخيلة واستغلت عدم تطبيق القانون بجدية في البلد لتحصل على مزايا الجنسية الكويتية والجنسية الأخرى التي تحملها وهي غالباً سعودية. والمشكلة كبرت وتضخمت بعد أن ازدادت أعدادهم وتغلغلوا بمفاصل الدولة ليصبح من المستحيل التفريق بينهم وبين الكويتيين.

وبالمقابل ترفض الحكومة الكويتية تجنيس بدون مستحقين يعيشون على أرضها منذ القرن الفائت! والحجج كثيرة ومنها بأنهم يشكلون خطرا على التركيبة السكانية أو أنهم كانوا يحملون جوازات دول أخرى وقاموا بإخفائها على أمل الحصول على جنسية كويتية.

الحكومة لم تكتفِ بحرمان البدون من الجنسية وحسب، وإنما حتى دفنهم وموتهم أصبح يتطلب ورقة وموافقة من الجهاز المركزي الآثم الذي وضعته السلطة من أجل تعطيل مصالح البدون وتوظيف بعضهم بأعمال غير أخلاقية لتستخدم هذا الأمر لاحقاً ضدهم وتوظفه لإقناع الرأي العام بأن البدون مجرمون وضالون ولا أمان لهم.

وآخر إبداعات أو تفاهات النظام هو دعم مجموعة من ثمانين عنصريا. مجموعة تدعي حب الكويت ومحافظتها على النسيج الاجتماعي ومع ذلك تركت كل مصائب الكويت من الألف إلى الياء وراحت تنتقم وتتشفى من بشر تم حرمانهم من أبسط حقوقهم بالعيش الكريم، بل حتى البهائم بالدول المتقدمة يتم التعامل معها بأسلوب أرقى مقارنة بالبدون. فأي هبوط ووحل أخلاقي وصلت إليه هذه المجموعة؟!  

هناك أمر تحفظت عليه لفترة ولكن أود أن أشارككم به اليوم. ما أشعر به حقاً ودون حواجز هو بأن لا أحد يريد أن يحل مشكلة البدون، ولا أحد يرغب في أن يراهم يعيشون باستقرار وراحة، ولا يوجد من هو مستعد ليخسر منصبا أو مكانة من أجل قضيتهم. والسبب هو بأن الجميع يعلم بأن السلطة هي المسؤول الأول عما يحدث للبدون وهي من لا يرغب بحل مشكلتهم. ومن يحاول التصعيد ضدها سيكون مصيره خلف القضبان، ونعم الديمقراطية التي ننعم بها في هذا الوطن أليس كذلك؟

كم نائب حالي تكلم عن البدون دون أن يحل قضيتهم؟ وكم نائب سابق تكلم عن البدون دون أن يفعل شيئا عندما كان بالبرلمان؟ وكم ناشط اجتماعي وحقوقي تحدث عن قضيتهم دون أن يتغير شيء؟ أيعقل أن يكون كافة هؤلاء مع البدون ولكن إلى اليوم لا يوجد حل لموضوعهم؟

قضية البدون تذكرني بقضية سجناء الرأي في الكويت، الأغلب يتحدث عن الحريات وعن دعم سجناء الرأي القابعين بسجون السلطة أو المهجرين قسرياً ولكن لا يوجد من هو مستعد حقاً بأن يضحي ويدفع بهذا الموضوع بجدية ويضع تشريعات حقيقية وليست لذر الرماد في العيون والضحك على الذقون. ولو كان كل من طالب بالحرية لسجناء الرأي صادقاً في ادعائه، لما بقي لدينا سجين رأي واحد. والسلطة تعلم بذلك جيداً وهي تتعامل مع الواقع الكويتي بناء على جدية الشارع الكويتي نفسه. 

كم بدون يحتاج لحرق نفسه؟

وكم بدون يحتاج لأن يعرض علينا مأساته بالتعليم والعمل والزواج؟

وكم بدون يحتاج لأن يسجن والتهمة الرزق الحلال وبيع فواكه في الشارع؟

لترق قلوبنا ونعمل بجدية من أجل إصلاح أحوالهم والعمل على استقرار أوضاعهم التي ستؤدي إلى استقرار الكويت بالنهاية.

يكفي تكسباً على حساب معاناتهم وآلامهم وصرخاتهم، ويكفي استخدام قضيتهم من أجل تصفية البعض لحساباته مع أطراف أخرى.

الشارع الكويتي هرم من هذا الأسلوب الساقط بالتعامل معه وتعمد إلهائه بمواضيع مثل البدون والطائفية وتزوير الجنسيات والشهادات وغيرها من المواضيع التي أصبح واضحاً بأن النظام ليس جادا بحلها وانما يستفيد منها لإشغال الناس بالوقت الذي يقوم بنهب البلد وتصفيته وتمرير صفقاته المشبوهة. شبعنا مسخرة فهل لمرة بحياتكم تتصرفون بمرجلة ...؟!


المقالات المنشورة لا تعبر بالضرورة عن الصحيفة

 

الدلالات