تجاوز إلى المحتوى الرئيسي

د. بشار البغلي يكتب: الحقوق تضيع عندما تتجزأ

نُشِر
2019/06/3 11:44 م
تحديث
2019/06/4 2:56 ص
تغيير حجم الخط

صحيفة التمكين - رأي

يقول المفكّر الأميركي نعوم تشومسكي "إذا كنت تؤمن بحرية التعبير، فأنت تؤمن بحرية التعبير عن الآراء التي لا تعجبك". غالبية الأفراد يؤمنون بحرية التعبير التي تتوافق مع معتقداتهم وعاداتهم وثقافتهم ومثل هذه الحرية لا تعكس إيمانا حقيقيا بحرية التعبير. فإن كنت لا ترغب إلا بسماع الأفكار التي برأسك فأين هذه الحرية التي تتشدق بها؟ ولذلك تكمن عظمة مقولة تشومسكي في وصفها لقدرة الشخص الحقيقية على تقبل الآراء المخالفة.

ونحن هنا لا ندعو بأن تقتنع أو تتقبل الآراء التي لا تعجبك، فكل شخص له الحق بالاعتقاد بما يشاء، وكذلك له الحق في الرد على الآراء التي لا تعجبه أو يجدها تافهة. ولكن الرد على الرأي يكون برأي مماثل، ومقارعة الحجة والفكرة تكون بحجة وفكرة كذلك. أما من يحرض ويدعو لقمع وحبس كل من يختلف معه بفكرة أو رأي فهذا لا يفقه أبسط أبجديات الحرية.

وبسبب عدم الإيمان الحقيقي بحق الآخر في التعبير بل حتى في الوجود ضاعت أغلب حقوقنا في الخليج العربي والكويت ليست باستثناء؛ بل اليوم يتصدر البلد قائمة الدول الأكثر ملاحقة للمغردين وأصحاب الرأي.

هذا الوضع لم يأتِ من فراغ ولكن الحقيقة المرة هي بأن مثل هذا الأمر لم يكن ليحدث بدون إيعاز ورضا شعبي. فالشعب الكويتي المقسم والذي يطالب بحقوق مفصلة بحسب الدين والمذهب والحزب والقبيلة والفخذ، وبالمقابل يحرض النظام لحبس وسجن كل شخص نطق بحرف لم يعجبه، قدم للسلطة هدية لم تكن لتحلم بها.

شعبنا هو من أعطى النظام ذريعة لملاحقة أي شخص حتى بدون تهمة واضحة. فاليوم أصبح من المقبول أن يلاحق ويسجن النظام أي شخص لا يرغب بسماع صوته؛ والتهم المعلبة جاهزة ولا حصر لها، فأي حديث على السناب أو أي تدوينة على تويتر ممكن تحويرها على أنها إساءة للدين أو الدولة أو دول الجوار أو نشر إشاعات كاذبة.

ولنأخذ مثالا حقيقيا حدث خلال فترة زمنية قصيرة. قبل بضع سنوات كان هناك نائب كويتي عرف بآرائه الحادة ضد السعودية. ومن المتوقع ألا يعجب هذا الأمر النظام السعودي، ولكن الطامة الكبرى حصلت عندما قبل الكثير من الكويتيين أن يتحولوا لمجرد أبواق تدافع عن غير بلدهم على حساب حريتهم وديمقراطيتهم وكرامتهم. والأمر لم يستدعِ الكثير من الإقناع؛ لأن هذا النائب "شيعي" وبالتالي من المؤكد بأنه تابع لإيران وهدفه الإضرار بمصالح الخليج ومثل هذه التهم التي كان من السهل أن تنطلي على شعب مشبع طائفية وتعصبا. وبالفعل هذا ما حصل، فقد شن الشعب الكويتي حملات متكررة ضد هذا النائب وطالب بمعاقبته وسجنه وحتى سحب جنسيته. بل وصل حد الذل بأن تحوّل مجلس الأمة الكويتي لمجلس شورى سعودي، وقام غالبية النواب بالدفاع والاعتذار للمملكة والمطالبة بمعاقبة زميلهم في مشهد مخزي ومسيء للديمقراطية الكويتية. هذا مع العلم بأن جريمة هذا النائب الوحيدة هي تعبيره عن رأيه والذي خالف هوى الأغلبية.

الفرحة والانتصارات كانت عارمة بصدور أحكام بالحبس ضد هذا النائب ولكن ما غاب عن الشعب آنذاك هو أن وقع على وثيقة إعدامه. فالملاحقات بعد ذلك طالت السني والقبلي قبل الشيعي والحضري، واستمرت الأحكام تصدر ضد كافة مكونات الشعب دون تمييز.

ومثل هذه الأحكام ما زالت تصدر إلى يومنا هذا، بل من سخرية أو عدالة القدر بأن أكثر من حرضوا على هذا النائب من نواب آخرين أو ناشطين أصبحوا اليوم بين سجين ومهجر بعد أن أعطوا الحكومة الضوء الأخضر لملاحقة أصحاب الرأي، لا لجريمة ارتكبوها غير تعبيرهم عن آرائهم بصوت عال.

يكمن الحل اليوم بمراجعة شاملة لكافة القوانين التي تقيد حرية الرأي، فالرأي يبقى رأياً مهما اختلفنا معه وحتى بعض الآراء التي قد تعتبر متطرفة وشاذة يجب التعامل معها بأساليب أكثر منطقية وحكمة. وإن شعر المشرّع بضرورة وجوب العقوبة أو الردع في بعض الحالات، فمن الممكن أن تكون العقوبات تهذيبية وتبدأ بخدمة مجتمعية ومن ثم تتدرج لغرامات والحبس يجب أن يكون آخر حل وحتى مدته تتوافق مع حجم الخطأ. أما ما يحدث اليوم فهو أقرب لأفلام الخيال العلمي، وسيأتي اليوم الذي يضحك فيه الكويتيون وبشدة على أنفسهم وسخافاتهم ويتذكرون بأنهم في زمن من الأزمان كانوا يسجنون الشخص عشر وعشرين وخمسين عاما لمجرد كلام يعتبر حقا أصيلا للأفراد بأي من الدول المحترمة.

 


مقالات الرأي المنشورة لا تعبر بالضرورة عن الصحيفة.