تجاوز إلى المحتوى الرئيسي

ترامب و إيران.. غزليات سياسية و وساطة يابانية

نُشِر
2019/05/28 3:24 ص
تحديث
2019/05/28 3:30 ص
تغيير حجم الخط

صحيفة التمكين - تحليل

خلال الأيام الثلاثة الماضية عملت إيران على تنشيط تحركاتها الديبلوماسية لفتح مسارات للتقارب مع دول الخليج مستهدفة نزع فتيل التوتر القائم مع جيرانها نتيجة التحشيد العسكري في المنطقة، معلنة رغبتها و استعدادها لتوقيع معاهدات عدم اعتداء مع كل دول الخليج أو بعضها.

 

تحركات الديبلوماسية الإيرانية في الكويت و عمان، و محادثاتها مع مسؤولي البلدين نقلت رسائل تطمين للسعودية و الإمارات، يقول المطلعون إنها تتضمن رغبة في ترسيخ مبدأ حسن الجوار و أمنيات لتجنيب بلدان المنطقة نيران الحرب المحتملة أو تقليل احتمالات توسعها لو نشبت بين إيران و الأساطيل الأمريكية بحيث لا تطال البنية التحتية لدول الخليج إذا لم تجعل أراضيها منطلقًا للأعمال الحربية. هكذا يبدو أن الغاية الإيرانية هي تجاوز أو تخفيف حالة التحفز العدائية بين دول المنطقة بغض النظر عن نوايا الطرف الأمريكي.

 

 

على الفور، و كي يقطع الأمريكان الطريق على المحاولات الإيرانية للتقارب مع كل أو بعض دول الخليج خارج المسار الأمريكي، انطلق ترامب إلى اليابان في زيارة طارئة هدفها فتح باب جديد للوساطة مع إيران يمر عبر مسارات أخرى تتجاوز نطاق فكرة تقارب دول الإقليم. 

 

هذا هو التفسير الممكن لرحلة ترامب المفاجئة نحو اليابان و التي لم تشهد أي نشاط سياسي سوى الموضوع الإيراني، رغم أن برنامج ترامب كان يحوي زيارة أخرى لطوكيو مقررة سلفا و ستتم في الشهر القادم بحسب الجدول.

 

ما فعله ترامب في طوكيو بالأمس هو دفع رئيس وزراء اليابان للسفر إلى طهران و تكليفه بمهمة الوساطة الأكثر جدية حتى الآن.

 

و تمهيدًا لمهمة الوسيط الجديد أطلق ترامب تصريحات تهدئة أقرب للغزل، متضمنة تطمينات بأنه لا يسعى مطلقا لتغيير النظام الإيراني، كما استخدم أسلوب الإغراءات حين قال: "لدى إيران فرصة لتكون دولة عظيمة مع نظام الحكم الحالي فيها"، معبرًا بذلك عن وجود فرصة لمكاسب كبيرة و مستقبل عظيم ينتظر إيران بقيادة خامنئي و روحاني لو أنها اقتربت من نهج السياسة الأمريكية و مشاريعها.

 

اختيار الأمريكان لليابان كوسيط مع إيران يعبر عن رغبة في تحقيق نتائج فعلية و لو لأغراض تكتيكية، كما أنه اختيار ذكي؛ نظرًا لما تمثله اليابان من خصوصية كونها دولة تابعة للسياسة الأمريكية (فهي شبه محتلة عسكريًا و سياسيًا من قبل الأمريكان الذين يقيدونها باتفاقيات استسلام منذ نهاية الحرب العالمية الثانية)، و من ناحية أخرى فاليابان دولة تمتلك علاقات اقتصادية كبيرة مع إيران و تمثل أهمية و فرصًا كبيرة للاقتصاد الإيراني، ما سيجعل الإيرانيين حريصين على التعامل مع وساطتها بأكبر قدر من الليونة و اللباقة لا سيما و أن ترامب قد حمَّل رئيس وزراء اليابان بعضًا من إشارات التودُّد و الكلمات المعسولة.

 

 

لا يستغرب المراقبون هذه الوساطة الجديدة و ما رافقها من عبارات الغزل الأمريكي الصريح، فبعد أن خابت آمال ترامب التي علقها على الرئيس السويسري سابقًا في محاولته "ترقيم" الرئيس الإيراني على طريقة المراهقين الذين يلقون للفتيات أرقام هواتفهم بعد قليل من الحركات الاستعراضية، ها هو الآن يسعى للحصول على رقم الرئيس الإيراني خاطباً وده عبر "الخاطبة" اليابانية.

 

قد يكون غرض الأمريكان من الوساطة الجديدة هو مجرد تلطيف الأجواء أو ربما هي خطوة تكتيكية لتحقيق نوع من التقارب المؤقت باجتذاب إيران بعيدًا عن خياراتها الإقليمية أو على أمل تخفيف حدة العوائق التي يمثلها محور المقاومة على مسار صفقة القرن  التي يريد ترامب تمريرها خلال الأشهر القادمة كأولوية قصوى.

 

السؤال المستفز هو: ماذا لو وجد ترامب أن قيادة إيران ستقبل بصفقة شاملة لإلغاء العقوبات تتحول فيها إيران من المواجهة مع إسرائيل نحو الصداقة أو التحالف معها مقابل نيل الرضا الأمريكي بحيث تعود إيران لأداء دورها القديم أيام حكم الشاه كحارس أمريكي على المنطقة متزعمة دول الخليج في مسار التطبيع... ترى ما الذي ستفعله حكوماتنا الخليجية، و كيف سيكون وضعها في هذا النظام الإقليمي الجديد؟! هل سيكون لديها خيار آخر غير السمع و الطاعة للزعيم الفارسي الذي سيكون نائبًا للسيد الأمريكي على الخليج و ستخضع لسيطرته بعد أن كانت ترفض علاقة حسن الجوار معه؟!