تجاوز إلى المحتوى الرئيسي

اتفاق كوينسي.. ماذا جرى على ظهر السفينة بين روزفلت وآل سعود؟

نُشِر
2019/05/28 12:01 ص
تحديث
2019/05/28 12:06 ص
تغيير حجم الخط

صحيفة التمكين ـ محرر تاريخ

 

نظام آل سعود مثال حي على الصورة المشوهة للإسلام، فبينما يعتقد كثيرون أن النظام السعودي يقيم الدين والشريعة، نجده على وفاق مع أمريكا التي تعادي إقامة الشريعة وتعتبر من يطالب بها إرهابياً ومتطرفاً.

علاقة أمريكا بالنظام السعودي من أقوى العلاقات، فأمريكا تحتاج لمن يُسوِق لأفكارها ومنهجها، وما من دولة لها مكانة السعودية الدينية وثقتها في قلوب وعقول المسلمين، وأيضاً موقعها الاستراتيجي والثروات البترولية التي تجعل لعاب الغرب يسيل لها، وخاصة في البيت الأبيض؛ لأن النفط يمثل شريان الحياة لأمريكا.

تعقد أمريكا للسعودية سنويًا عدة صفقات سلاح مع المملكة، وتزودها بمقاتلات مثل صواريخ الباتريوت والهوك والدبابات ومقاتلات المشاة وطائرات F-15s.

وهذا من ضمن صفقة أمريكا مع السعودية بأن توفر البترول بصورة مستمرة لأمريكا، وفي المقابل توفر أمريكا الدعم السياسي والأمني اللازم للنظام السعودي؛ ويرجع ذلك لاتفاق كوينسي بين الملك عبدالعزيز والرئيس الأمريكي روزفلت على ظهر سفينة في عام 1945م.

تناقش روزفلت والملك عبد العزيز حول الاستيطان اليهودي في فلسطين. وفي محاولة منه للحصول على دعم الملك لإنشاء وطن قومي لليهود في فلسطين، واجه روزفلت في البداية رفضا لهذه الفكرة سرعان ما تلاشى بعد أن طرح موضوع مستقبل العائلة المالكة السعودية والنفط العربي، فانتهيا إلى اتفاق يضمن للحكم الملكي السعودي حماية عسكرية مقابل الحصول على النفط.

وارتكز اتفاق كوينسي على أربع نقاط:

ـ استقرار السعودية هو جزء من المصالح الحيوية للولايات المتحدة التي تقدم كذلك الحماية غير المشروطة لعائلة آل سعود.

ـ بالتالي استقرار شبه الجزيرة العربية وإعطاء القيادة الإقليمية للسعودية.

ـ في المقابل، تضمن السعودية الجزء الأكبر من إمدادات الطاقة للولايات المتحدة، دون أن تعطي حق الملكية لأي جزء من الأراضي السعودية، والشركات المتعاملة تقوم فقط بكراء الأراضي التي تعمل فيها. وشركة أرامكو السعودية تتمتع باحتكار جميع حقول النفط في المملكة لمدة لا تقل عن 60 سنة.

ـ بقية النقاط هي حول التعاون الاقتصادي والتجاري والمالي بين السعودية والولايات المتحدة الأمريكية، وبشأن عدم التدخل الأمريكي في شؤون السياسة الداخلية السعودية.

 

 

بدأت القصة منذ مطلع القرن السادس عشر والقرون التالية له عندما احتلت بريطانيا كثيراً من أطراف العالم الإسلام، وبدأت في خطط السيطرة على بلاد الحجاز في القرن التاسع عشر. وكان الذراع المعاون لها والعميل الأكبر هو “عبد العزيز آل سعود” مؤسس الدولة السعودية الثالثة، وقدمت له المعاونة والدعم العسكري. وتمكنت بريطانيا فيما بعد من إعلان عبد العزيز سلطاناً على المملكة وعقدوا معه صك ضمان تحت المسمى الجديد الذى أطلقته بريطانيا وهو (المملكة العربية السعودية)، فحتى اسمها من اختيارهم ونسبة لعميلهم. وسبق أن ناقشت صحيفة "التمكين" التسمية في إحدى الحلقات السابقة.

 وهكذا، وضعت بريطانيا آل سعود كذراع على حكم بلاد الحجاز وضمنت ولائه، وكانت سيطرتها على بلاد الحرمين خطوة أولى لبناء دولة يهودية في القدس والسيطرة على بيت المقدس.

وفى عام 1936م قامت الثورة الكبرى التي أشعلها “الشيخ عز الدين القسام” في فلسطين، وعجزت بريطانيا عن إخماد الثورة ولكن كيف تعجز وحاكم بلاد الحرمين ذراع لها؟!

استعانت بريطانيا بعميلها “الملك عبد العزيز” الذي أرسل وزير خارجيته “فيصل” ليستجدي عرب فلسطين وزعماء الثورة من أجل إيقافها بعد أن كفل لهم وفاء (صديقتنا بريطانيا) -على حد وصفه- فأوقفت الثورة ثم أخمدت، وكان ذلك أول خطوات ضياع القدس.

وورد في رسالة الملك إلى الرئيس روزفلت –بعد قيام اليهود بعمليات اغتيال لشخصيات بريطانية-: ”قام اليهود بشتى الاعتداءات، وكان من أفظعها الاعتداء على الرجل الفذ الذي كان ممتلئاً بالحب والخير لصالح المجتمع، وكان من أشد من يعطف على اليهودية المضطهدة وهو اللورد مورين”.

ومما نُشِر من وثائق تلك المرحلة موافقة “عبد العزيز” على برامج الإنجليز في الهجرة الصهيونية إلى فلسطين وعدم الاعتراض على إعطائها لليهود وموافقته على وعد بلفور الذي كان بداية المأساة.

ومنذ ذلك الحين ومكة والمدينة تحت سيطرة الإنجليز إلى أن جاءت الحرب العالمية الثانية وبدأ تشكيل النظام العالمي الجديد، وبرزت أمريكا والاتحاد السوفييتي كأكبر قوتين في العالم في ذلك الوقت. وتم بالفعل تقسيم العالم فيما بينهما وورث الأمريكان العرش السعودي ونفط جزيرة العرب، وأصبح لهم الحق في الإشراف على مكة والمدينة ضمن ما ورثوه من ممتلكات التاج البريطاني بعد الحرب العالمية الثانية.

ولا شك بعد ذلك أن قصة اللقاء بين الرئيس الأمريكي فرانكلين روزفلت والملك عبد العزيز بن سعود قصة مؤامرة قديمة متجددة، فتلك المقابلة التي سار عليها كل رئيس أمريكي حتى هذه اللحظة، وبرغم أن أمريكا هي الراعي الرسمي للديموقراطية في العالم، لا تلتفت أن “الملكية السعودية” لا تعطي شعبها أي قدر من حقوقهم. ولكن أصل الديموقراطية الحفاظ على الرأسمالية حتى وإن كان النظام ملكيًا، فلا بأس في ذلك.

التقى الرئيس الأمريكي (روزفلت) مع الملك (عبد العزيز) سراً على ظهر السفينة الحربية “كوينسي” بعد الحرب العالمية الثانية في البحيرات المرة بقناة السويس في مصر عام 1945م.

فبعد أن أمدت أمريكا دول الحلفاء أثناء الحرب العالمية الثانية بـ 6 مليار برميل من النفط، خسرت الكثير من إنتاجها المحلي، فبدأت تبحث عن مصادر جديدة للنفط غير إنتاجها المحلي، فتوجهت أنظارها بالطبع لمنطقة الشرق الأوسط والخليج العربي وجزيرة العرب. فأعلن «روزفلت» أنه يريد رؤية ثلاثة بلدان نامية يعتقد أن الولايات المتحدة ستستفيد منها في المستقبل، فقرر أن يتوقف في محطات ثلاث؛ إثيوبيا للقاء الإمبراطور «هايله سيلاسي الأول»، ومصر للقاء الملك «فاروق»، والأهم الملك «عبدالعزيز» في السعودية.

فكان هذا اللقاء بين الملك والرئيس حدثاً تاريخيًا سيئًا جدًا. فقد كان ظهر الطراد “كوينسي” الذي يحمل الملك مكانًا للاتفاق على قرارات عدة كان من بينها التنازل عن فلسطين مقابل ضمان أمريكا أمن السعودية، فوافق الملك على ضمان أمن إسرائيل ليضمن أمن نظامه. وتُوفيَّ الرئيس روزفلت بعد شهرين، وكان قد وعد الملك في الاجتماع وبعد ذلك كتابة: ”أن الولايات المتحدة لن تتخذ أي قرار نهائي حاسم بشأن فلسطين دون التشاور الكامل مع جميع الأطراف المعنية”. وأخذ الملك ذلك كالتزام من الولايات المتحدة ككل وليس من «روزفلت» فقط. ومع ذلك؛ فقد كان ما تعهد به الرئيس «روزفلت» غير ملزمًا لخليفته «هاري ترومان»، فقد أيد «ترومان» قرار تقسيم فلسطين وهو ما لم يحرك الملك من أجله ساكنًا ولم يتكلم.

وبحلول الوقت الذي أعلنت فيه إسرائيل استقلالها في عام 1948 فهم الملك أن مستقبل المملكة السعودية يكمن في شراكة قوية مع الولايات المتحدة، وأن النفط هو السبيل الوحيد الذي يملكه للبقاء والأمريكان يريدونه، وهو بحاجة إلى الأمريكان!

وبهذا أصبح ولاؤه لأسياده الأمريكان من هذه اللحظة بدلاً من أسياده الإنجليز، وما زال ولاء أبنائه من بعده للأمريكان قويًا، وللإنجليز حاضرًا أيضًا، إلى اليوم.