تجاوز إلى المحتوى الرئيسي

د. بشار البغلي يكتب: الصحافة الكويتية والتمكين

نُشِر
2019/05/27 11:24 م
تحديث
2019/05/27 11:31 م
تغيير حجم الخط

صحيفة التمكين - رأي

 

في البداية أود على التأكيد بأن فكرة كتابة هذا المقال لم تكن بإيعاز أو بتشجيع من أحد البتة. ولكن بعد ثلاثة أشهر من الكتابة في التمكين رغبت في أن أشارك القراء بتجاربي السابقة مع الصحف الكويتية ومن ثم أقارنها مع التمكين. فكيف مكنتني التمكين  بينما عجز الآخرون؟ سنسرد باقي القصة في الفقرات التالية.

لنبدأ بجريدة القبس والتي تعد من أشهر الصحف في الكويت ولطالما عرفت نفسها بأنها منبر حر ويحتوي جميع الآراء.

قبل عدة سنوات كان لي صديقة تعمل هناك وقد رحبت بفكرة كتابتي لمقال في الصحيفة. وبناء عليه كتبت مقالا تحدثت فيه عن استغلال تجار الدين من السنة والشيعة للبسطاء وكيف يوظفون الدين من أجل التسلق عليهم وتحقيق مصالحهم الشخصية على حساب معاناة البشر.

كنت متحمساً لنشر المقال حينها وظننت لوهلة أن القبس ستعجب بالطرح الجريء وربما أستمر في الكتابة هناك. ولكن الخيال لم يستمر طويلاً وانتهى عندما أخبرتني صديقتي بأن المقال رفض ولن ينشر. حاولت أن أستفسر عن السبب أو إن كان هناك بعض التعديلات التي بوسعي أن أقوم بها من أجل أن يتم النشر، والجواب كان بأن هناك حساسية من نشر مثل هذه المواضيع! شعرت بالاستياء من هذا الرد الركيك والذي لم أتوقعه من صحيفة بهذا الحجم ولكن اكتفيت بالصمت ولم أفكر بكتابة شيء آخر عندهم.

مرت بضع سنوات واشتقت لإعادة المحاولة ولكن مع صحيفة مختلفة هذه المرة. ففكرت في جريدة الجريدة الكويتية بحكم معرفتي لبعض الإخوة الذين يعملون هناك. تواصلت مع أحدهم ورحب بالفكرة واقترح عليّ أن أكتب مقالاً لا يتجاوز 400 حرف ومن ثم أرسله للبريد الالكتروني المعني بالنشر مع صورة شخصية. هذه المرة كنت أكثر خبرة بالصحافة الكويتية وخطوطها الحمراء التي لا تنتهي، ولذلك لم أكتب مقالا أطرح فيه كل ما يجول بخاطري ولكنني كتبت موضوعا انتقدت فيه الأوضاع العامة وكذلك أشرت إلى رئيس مجلس الأمة ودوره السلبي في تحويل البرلمان لإدارة حكومية أخرى بعيدة كل البعد عن إرادة الشعب.

أرسلت المقال وانتظرت أسبوعا دون جواب، ومن ثم انتظرت أسبوعا آخر وكان العذر بأن هناك إعلانات ولها أولوية وسينشر مقالك الأسبوع القادم. وفي الأسبوع الثالث جاء الاعتذار بعدم نشر المقال! والسبب كان بأن هناك قضايا رأي مرفوعة ضدك، والرد كان أقرب للنكتة؛ لأن الصحيفة والإخوة الذين يعملون هناك يعلمون مسبقاً بهذا الأمر ومع ذلك لم يمانعوا بكتابتي ولكن يبدو أن الحسبة اختلفت.

أخيراً قررت أن أجرب حظي مع جريدة الشاهد المثيرة للجدل، فربما حبهم لإثارة المواضيع الجدلية سيتيح لي أن أكتب معهم. وتواصلت مع أحد الأصدقاء الكتاب هناك وتم التنسيق معه بهذا الخصوص. وحصلت المفاجأة عندما نشرت الشاهد مقالي دون تحفظ أو تغيير. وشعرت براحة بال، ليس لنشر مقالي وحسب وإنما لأنني شعرت بأن الديمقراطية الكويتية لم تمت بعد وما زال هناك من يمارسها ولو بدرجات متفاوتة. نشر الشاهد لمقالي أعاد لي الحماس بالكتابة، فتواصلت معهم من أجل كتابة مقال آخر.

هذه المرة لم أشعر بحماس متبادل من قبل طاقم العمل كما بالمرة الأولى ولكنني قررت أن أتريث بدل الاستعجال بالحكم عليهم. ولكن مر الوقت دون جواب واضح، فقمت بالاتصال الهاتفي بأحدهم وأخبرته عما يجري؟ فقال لي بصوت خجول: كتاباتك جميلة وبمحلها ولكن جاء لي أمر من فوق بعدم النشر لك مجدداً! فطلبت منه أن يوضح أكثر، ولكنه اعتذر وقال أنا ما بيدي شيء هذه أوامر عليا. حينها شعرت بحالة من الإحباط غير المسبوق، وأدركت بأن ديمقراطيتنا ليست سوى كذبة تم ترويجها من أجل أن يشعر الكويتي بأنه أفضل من أقرانه الخليجيين ولكن في الحقيقة هو مقيد بل مكبل بكل ما يكتبه حتى لو ادعى العكس.

هل هناك أبشع من جريمة قتل خاشقجي التي شغلت الصحافة العالمية لشهور متواصلة دون انقطاع؟ فأين صحافتنا الكويتية من هذا الموضوع؟ وأين الكاتب الكويتي الذي لا يترك كبيرة أو صغيرة إلا علق عليها من قضية بهذه الضخامة؟ واليوم نفس الصحف الكويتية التي أوصلت صدام لسابع سماء ترتكب نفس الحماقة باصطفافها الأعمى مع النظام السعودي بل تمنع كتّابها من قول رأي مخالف. ألم تعلمنا التجارب بأن من مصلحتنا أن نبقى على الحياد بدل خوض حروب نحن غير معنيين بها؟

تحية للتمكين التي مكنتني وغيري من الكتاب من الكتابة بسقف عالٍ. فهذا هو مفهوم الصحافة الحرة الذي لطالما آمنت به؛ لأن من خلاله تمارس الشعوب حقها باختيار الأفكار التي تناسبها. فما قيمة الكتابة إن لم تمكنك من التحدث بشفافية وضمير حي مع القراء؟ بل ما جدواها إن تحول الهدف منها تضليل الرأي العام؟ وأخيراً أشكر الصحافة الكويتية التي منعتني من الكتابة عندها؛ لأن قدري أكبر من صحافة كان يرسم حدود حريتها المقبور صدام بالأمس واليوم يتم تحديدها بالرياض، وسلم لي على دولة السيادة ..!

 


* مقالات الرأي المنشورة لا تعبر بالضرورة عن الصحيفة.