تجاوز إلى المحتوى الرئيسي

الرعب السياسي كعائق للفعل الثوري في الخليج

نُشِر
2019/05/9 2:10 ص
تحديث
2019/05/9 2:15 ص
تغيير حجم الخط

خاص | صحيفة التمكين

الخوف من بطش مخابرات السلطة والحرص على تجنب أي فعل أو قول قد يوحي بعدم الرضا عن شخص الحاكم أو أفعاله، هذا هو المحدد النفسي الأبرز في تشكيل أو تغييب السلوك السياسي لدى الإنسان الخليجي، وهو المؤثر الأكثر شيوعاً بين جموع المواطنين.

يسهل تأكيد مدى قوة هذا النوع من الخوف وشموليته وفعالية تأثيره من خلال المثال الآتي: نجد نسبة كبيرة من الناس يكررون ارتكاب مخالفات جنائية مثل تعاطي المخدرات في جلسات جماعية، لكنهم يرتجفون رعباً عند تلفظ أحد الحاضرين بكلمات تنتقد الحاكم أو ترفض سياساته.

هذا المثال يقود للتمييز بين نوعين من الخوف، أولهما الخوف المعتاد من عقوبة مخالفة القوانين الجنائية وهو شعور عقلاني يمكن استيعابه والتعامل معه وتجاوزه أيضاً خصوصاً حين تتوفر فرص للإفلات من العقاب أو تخفيفه كأن يمتلك المرء علاقة حسنة مع بعض مسؤولي الدولة.

وهناك أيضاً الخوف الساحق المرتبط بعقوبة غير محدودة لا تعرف التسامح وتطال حتى البريء لمجرد الاشتباه بمعارضته للحاكم، وهذا العقاب غير منصوص عليه في القوانين كما أن المخالفة نفسها لا يجوز وصفها كجريمة كون انتقاد الحاكم ومعارضة السلطة هو حق إنساني تكفله القوانين والمعاهدات الدولية، فمن أين ينبع كل هذا الرعب؟!

على الأرجح أن العامل المؤثر هنا يتجاوز الخوف من عقاب قانوني محدد يمكن حساب أضراره وسقفه الأعلى بحيث يتحمله المخالف وينتهي منه، لتتجلى المعضلة في عقوبات المحظور السياسي التي لا يمكن التنبؤ بفداحتها وأين ستنتهي وما مصير المرء بعدها، فمسارها يبدأ من الاعتقال الفوري في سراديب لا يعرفها أحد حيث حفلات التعذيب غير المحدود، ولن ينتهي بما سيطال أسرة الضحية الذي قد يختفي للأبد.

 

قد يكون مفيداً التذكير بأن دواعي هذا الخوف الفائق لا تقتصر على القمع السلطوي المتوقع بأنواع العقاب الجسدية والمعنوية والمادية والاجتماعية، بل هناك أيضاً هاجس العقاب في جهنم بحسب ما تنذر به التعاليم الوهابية ويحرص الفقهاء على تكرار الوعيد به، إذ يحرمون الخروج على الحاكم ويجعلون طاعة ولي الأمر من طاعة الله ومعصيته ليست فقط موجبة للعقاب بل للكفر باعتباره شقاً لعصا الطاعة وخروجاً عن جماعة المسلمين.

هكذا تتظافر سلطة التحريم الدينية مع وسائل القمع السلطوية لتحصين سلطة الحاكم وإخضاع الناس له دونما مساءلة أو انتقاد.

وبهذا التنوع في مسببات ومثيرات الخوف المدرجة ضمن التنشئة الاجتماعية منذ الطفولة يصل الأمر إلى ما يمكن وصفه بالخوف المظلم، خوف متعدد المستويات ومتشعب المصادر ينمو باستمرار ويضرب بجذوره حتى أعماق النفس البشرية في عتمة اللاوعي حيث يعمل بتأثير أوسع مما يظهر في المجال الواعي.

 

إحدى النتائج الملموسة لهذا التنويع في مصادر الخوف هي غياب الفعل الثوري في الخليج وعدم خروج احتجاجات شعبية شاملة رغم توفر كل الأسباب التي تستوجبها في الظروف الحالية بانكشاف مدى فداحة إهدار السلطات الحاكمة للثروات وسوء الإدارة وصولاً إلى خياناتها لقضايا الأمة وتآمرها على تدمير البلدان العربية، ناهيك عن المبررات القديمة المتجددة مثل استبداد الحكام وتبعيتهم للقوى الاستعمارية التي صنعتهم ومنحتهم الشرعية وظلت تحرس عروشهم في مقابل نهب الحصة الأكبر من ثروات الشعوب.

 

متواليات الاستبداد، القمع، الخوف، الاستبداد

يعمل الخوف باعتباره واحداً من عدة عناصر ينتج بعضها بعضاً ضمن حلقة مفرغة تبدأ بالاستبداد وتكمل دورتها لتعود إليه سواء بتغذيته أكثر أو بإعادة إنتاجه على المستوى الخاص في نماذج سلوكية فردية وفق "سيكولوجية الإنسان المقهور" للدكتور مصطفى حجازي.

وهذا يقودنا للحديث عن ذهنية الاستبداد التي تفرض إرادتها قسرياً وتواجه أي محاولة للاعتراض أو النقاش أو التساؤل عن شرعية الحاكم بالقمع المتنوع في أساليبه.

يبدأ الأمر بالحاكم الذي يقرر الانفراد بكل شؤون الحكم والاستئثار بالقسم الأكبر من الثروة له ولعائلته. هنا يتجلى الاستبداد في المستوى العام، لكن ولكي يتمكن الاستبداد من استعباد مجتمع ما فهو يلجأ لقمع كل معترض جاعلاً منه عبرة لسواه، ومن شدة هذا القمع تنمو وتتعاظم مشاعر الخوف في نفوس الناس بما يجبرهم على الاستسلام لحالة الخضوع ويدفعهم لتملق المستبد اتقاء لسخطه. وهذا الخوف بدوره يكون سبباً لإنتاج المزيد من الاستبداد، (أو ما نسميه في ثقافتنا الإسلامية بالفرعنة)، إذ يشجع المستبد على الإفراط في ممارساته حتى يصل أعلى درجات الطغيان الذي يشتغل -بالضرورة وفقاً لطبيعته- على التفنن في رفع منسوب التوحش لممارساته القمعية.

هكذا تبدو الصورة العامة لحلقة العلاقات السببية التي تربط بين الاستبداد والقمع والخوف صانعة متوالية متجددة، فكل عنصر في هذه الثلاثية يقود إلى عنصر آخر.

وبتقريب الصورة يتكشف مدى حرص المستبد على أن يكون القمع عنيفاً بما يكفي لتخويف الآخرين، إذ يجعل الضحية عبرة رادعة لسواها كي تثير رعبهم من ملاقاة نفس المصير، بحيث يمتنع بقية الناس عن تكرار الفعل، بل ويجبرهم الخوف على تجنب إظهار التعاطف مع الضحية و قد يندفع بعضهم للشماتة وتحميله مسؤولية ما لحق به نتيجة اجترائه على عصيان ولي الأمر.

 

كيف يعمل الخوف وإلى أين يصل بالإنسان؟

غاية ما يسعى إليه الاستبداد هو توظيف غريزة الخوف لإخضاع المحكومين مستفيداً من القوة الهائلة لمشاعر الخوف الغريزي حين تتجذر في اللاوعي، إذ ستعمل هناك لصالحه كمحدد وحيد لأي سلوك أو تفكير ذي علاقة بالمجال السياسي، لذا فليس غريباً أن يتحول المواطن إلى رقيب على نفسه وأفكاره ليمارس القمع الذاتي ضد أي نزوع للمساس بصورة الحاكم المطلق.

وبزيادة القمع المادي وتوسيع دائرة ضحاياه وصرامة ممارسته ورفع مستوى العنف مع تأكيد الاقتدار في تطبيقه، ينجح المستبد في دفع بعض الناس إلى السقوط في حالة نفسية من العجز الدفاعي واليقين بتلاشي أي حصانة نفسية أو جسدية مع انعدام القوة الذاتية في مقابل المستبد الذي يمتلك القوة الكاملة والاقتدار الكلي على إلحاق الأذى بضحية أدركت عملياً أنها لا شيء فاستسلمت ليقين اللاجدوى وحتمية الخضوع التام إيثاراً للسلامة ضمن استراتيجية الخوف والانكسار الذاتي.

ويكون الاستسلام هنا لمنطق القوة بتجنب أي مواجهة مع الاستبداد القمعي، ولهذا ينساق المرء مع مساعي تجريف وعيه هارباً من المواجهة إلى الاختباء في وضعية التجنب الانهزامي طلباً للسلامة، مكتفياً بتجنب الخطر المباشر سعيداً بلقمة العيش التي يحصل عليها.

 

في مستوى أبعد، هناك من تدفعهم فظاعة الإحساس بالقهر والمهانة الدائمة للانسياق في الخضوع حتى يصل الأمر بهم إلى حالة الارتباط الاستعبادي التي يلجأ إليها الفرد المقهور نفسياً في علاقة تودد يتوجه بها نحو المستبد بالتبجيل والتعظيم والإعجاب كوسيلة دفاعية لإنكار الضعف الذاتي وادعاء القوة بانتحالها مستعيراً إياها من قوة الحاكم المستبد القاهر عظيم الاقتدار، عبر التماهي مع صورته وتقمص شخصيته والانتماء له ومعاداة معارضيه.

هنا لا يكتفي المقهور بالتحول إلى رقيب على نفسه وأفكاره بممارسة القمع الذاتي ضد أي نزوع للمساس بصورة الحاكم المطلق، بل يمتد هذا الجهد الرقابي الهوسي إلى الأفراد المحيطين به، إذ يتطوع لقمع أي بوادر معارضة قد يبدونها و قد يندفع أحياناً للوشاية بأقاربه وأصدقائه محاولاً التماس الأمان وتهدئة مخاوفه المنفلتة من أن يطاله العقاب بجريرة تمردهم، وفي نفس الوقت هو يحاول التودد للسلطة الاستبدادية بالانتماء لها والاحتماء بجبروتها من خوفه.

هذا النموذج من البشر أوجدوا لأنفسهم نوعاً من التعويض النفسي بالتماهي مع المستبد المسيطر وتقمص جبروته وأفعاله، دون اقتصار ذلك على الشأن السياسي بل يتعداه إلى الشأن الخاص والعلاقات الإنسانية. وقلة من الناس وحدهم من يصلون إلى هذا المستوى، لكنهم بهذا يمنحون صورة المستبد مساحة أوسع باتساع علاقاتهم وصلاحيات الفعل التي يمتلكونها على المحيطين بهم، إذ يتجهون لإعادة تدوير الاستبداد الواقع عليهم بممارسته على الآخرين. هكذا تتجلى نماذج استبداد مصغرة يجسدها اندفاع الإنسان المقهور لتقمص ذهنية وسلوكيات المستبد ضد المرؤوسين في العمل، أو باستنساخ الاستبداد من المجال العام إلى المجال الخاص داخل الأسرة في هيئة مستبد صغير يثابر لإسقاط إحساسه بالقهر على أفراد عائلته.

 

ولو انتقلنا من المستوى النفسي إلى مستوى الواقع الخارجي، سنرى كيف يعيش المواطن الخليجي محاصراً بعيون أجهزة الأمن والمخابرات وسيطرتها المطبقة على كل نواحي الحياة مستفيدة مما تمتلكه من إمكانيات مادية وتقنية بفعل ميزانياتها الهائلة والإنفاق السخي على الكوادر الأمنية والمخبرين لضمان استمرار الولاء، وفوق هذا فهي تعمل تحت إدارة خبرات أجنبية متخصصة في إخضاع الجماهير والتنبؤ بأي مخاطر بما يمكنها من سد أي ثغرات قد ينتج عنها احتمالات للتمرد، ناهيك عن الجانب الأكثر فعالية وهو الدعم والتوجيه اللامحدود الذي تتلقاه من أجهزة مخابرات الدول الكبرى التي تحرص على إحصاء أنفاس المعارضين في الداخل والخارج التزاماً منها بحماية أنظمة الحكم العميلة لدول النهب الاستعماري.

ورغم المبالغة في تضخيم قدرات مخابرات الأنظمة الخليجية، لكن ما لا يمكن إنكاره هو أن سطوتها في نفوس الناس تأتي من امتلاكها لصلاحيات استثنائية غير مقيدة تتيح لها فعل أي شيء بحق المواطن دونما عائق قانوني أو احتمال مساءلة ومحاسبة على تجاوزاتها. لذا فليس غريباً أن أجهزة أمن السلطة هي مصدر رعب المواطن.

 

كيف نكسر الخوف؟

أخيراً؛ لكي تتجاوز خوفك فإن عليك أن تفهمه، وهذا ما تقوله نظريات التحليل النفسي، وهو قول ينطبق على المستوى الفردي، أما على مستوى الجماهير فهناك طريقة أسهل وأكثر فعالية هي تحطيمه. فلحسن الحظ أن فعالية كل أنواع الخوف تنهار فجأة وتتلاشى من داخل الفرد حين يندفع ضمن حشود جامحة تتحرك في سبيل قضية سامية.

لذا فالوسيلة المثلى والأسرع لكسر الحلقة المفرغة التي يصنعها الاستبداد والقمع والخوف هي خروج الشعوب الثائرة معلنة إسقاطها لشرعية المستبد ورفضها لمنظومة الاستبداد. وهذه هي الحقيقة التي يؤكدها علم الثورات.

وقد يحدث أن تفشل الثورات في التخلص من الاستبداد، لكن المؤكد أنها تنجح دائماً في كسر كل حواجز الخوف، وذلك هو الانتصار العظيم لقيمة الإنسان.