تجاوز إلى المحتوى الرئيسي

حسن كامل الصباح.. فتى العلم الكهربائي

نُشِر
2019/04/20 10:02 م
تحديث
2019/04/20 10:05 م
تغيير حجم الخط

صحيفة التمكين ـ خيمة شباب

مخترع ونابغة عربي لبناني ورائد من رواد العلم البارزين خلال القرن العشرين، وصفه عالم الكيمياء البريطاني البروفيسور فرانسيس إستون بأنه "كان الوحيد الذي تجرأ على مناقشة آراء آينشتاين الرياضية وانتقادها والتحدث عن النسبية كآينشتاين نفسه".

كانت تمثل الرياضيات والطبيعيات شغفه الأبرز، ويعد جهاز نقل الصورة المستخدم في التصوير الكهروضوئي والذي أنجزه في العام 1930، واحدا من أبرز اختراعاته إذ لا زال يستخدم إلى يومنا، وهو الأساس الذي ترتكز عليه السينما الحديثة، وخاصة سينما سكوب.

وقد اخترع أكثر من 76 اختراعًا سُجلت براءاتها في 13 دولة منها الولايات المتحدة  وبلجيكا، وكندا، وبريطانيا، وفرنسا، وإلى جانب تلك الاختراعات كان له العديد من النظريات الرياضية في مجال الهندسة الكهربائية.

وعند وفاته في مارس/ آذار 1935، نتيجةٌ لحادث سير مُدبر، رثاه الرئيس التنفيذي لشركة "جنرال إلكتريك"، حيث كان يعمل، قائلاً: "إنه أعظم المفكرين الرياضيين في البلاد الأمريكية، وأن وفاته تعد خسارة لعالم الاختراع".

من هو؟

ولد حسن كامل الصباح في 16 أغسطس/ آب 1894 في بلدة النبطية في لبنان، ونشأ في بيت ثقافة وفكر، ما جعله يوجه اهتماماته نحو العلوم والثقافة والمعرفة، كما كان شغوفاً بالبحث والتعرف على الحقائق الطبيعية والاجتماعية والروحية.

التحق بمدرسة النبطية الابتدائية في السابعة من عمره وقد ظهرت عليه علامات الذكاء والنبوغ ونال بذلك إعجاب معلميه، ثم التحق بالمدرسة السلطانية في بيروت سنة 1908 وفيها ظهرت مواهبة في الرياضيات والطبيعيات.

أبرز محطات حياته

 أدرك الصباح عدم توافق العلوم التي كان يدرسها مع طموحاته العلمية؛ فبدأ في دراسة اللغة الفرنسية للاطلاع على مزيد من العلوم التي لم يكن يجدها في الكتب العربية آنذاك.

ثم التحق الصبّاح بالجامعة الأمريكية في بيروت، وأتقن اللغة الإنجليزية في مدة قصيرة، واستطاع حل مسائل رياضية وفيزيائية معقدة ببراعة وهو في السنة الجامعية الأولى، وشهد له أساتذته بقدراته، وتردد اسمه بين طلاب الجامعات اللبنانية.

وأبدى الصباح اهتمامًا خاصًا بالهندسة الكهربائية، ونتيجة لنبوغه وبراعته في فهم النظريات وتطبيقاتها، تبرع له أحد الأساتذة الأمريكيين البارزين بتسديد أقساط المصروفات الجامعية تقديرًا منه لجهوده، إذ كانت ظروف أسرة الصباح المادية لا تسمح له بمواصلة الدراسة الجامعية.

في العام 1916 توقف العالم اللبناني عن الدراسة نتيجة اضطراره أداء الخدمة العسكرية و التحق بسرية التلغراف اللاسلكي العسكري، وفى عام 1918 توجه إلى العاصمة السورية دمشق؛ حيث عمل مدرسًا للرياضيات بالإضافة إلى متابعته دراسة الهندسة الكهربائية والميكانيكا والرياضيات.

وأولى الصباح النظريات العلمية في مجال الذرة والنسبية اهتمامًا بالغًا، وكان من القلائل الذين استوعبوا هذه النظرية الشديدة التعقيد، في تلك الفترة، وقد كتب حولها المقالات وشرح موضوع الزمان النسبي والمكان النسبي والأبعاد الزمانية والمكانية والكتلة والطاقة.

وفى 1921 غادر دمشق وعاد إلى الجامعة الأمريكية مرة أخرى؛ لتدريس الرياضيات، وكان حريصًا على شراء المؤلفات الألمانية الحديثة في هذا المجال، ولكن في الوقت نفسه كان تواقًا إلى التخصص في مجال الهندسة الكهربائية.

وفى عام 1927 توجه المخترع الصباح إلى أمريكا، والتحق بمؤسسة "ماسانشوستش" الفنية، لكنه لم يتواءم مع التعليم الميكانيكي في هذه المؤسسة، كما عجز عن دفع رسومها فتركها بعد عام.

وبعد انتقاله للدراسة في جامعة "إلينوي" الأمريكية، لمع نجمه قبل نهاية العام الدراسي الأول في هذه الجامعة، فقدم أستاذ الفلسفة الطبيعية بجامعة إلينوى اقتراحًا لعميد الكلية بمنح الصباح شهادة معلم علوم "M.A" إلا أن العميد لم يوافق على الاقتراح؛ حيث كان يجب على الطالب أن يقضي عامين على الأقل في الجامعة قبل منحه أي شهادة.

وبعد ذلك التحق بشركة "جنرال إلكتريك"، شركة الكهرباء العامة في ولاية نيويورك، وكانت تعتبر أعظم شركات الكهرباء في العالم، وفيها ظهرت عبقريته وتفوقه على المئات من المهندسين العاملين بالشركة، ولم تمضِ سنة واحدة على عمله بها حتى بدأت سلسلة اختراعاته التي نالت إعجاب رؤسائه؛ فخصصوا له مختبرًا ومكتبًا وعينوا عددًا من المهندسين الذين يعملون تحت إدارته.

إنجازاته واختراعاته العلمية

يصل عدد ما اخترعه عالم الكهرباء حسن كامل الصباح من أجهزة وآلات في مجالات الهندسة الكهربائية والتلفزة وهندسة الطيران والطاقة إلى أكثر من 76 اختراعًا أنجز العديد منها بمفرده، باستثناء بعض الاختراعات التي تعاون معه زملاؤه الباحثون في شركة "جنرال إلكتريك".

وسُجلت اختراعاته في 13 دولة منها: الولايات المتحدة الأمريكية، وبلجيكا، وكندا، وبريطانيا، وفرنسا، وإيطاليا، وأستراليا، والهند، واليابان، وإسبانيا، واتحاد دول أفريقيا الجنوبية.

وكان جهاز ضبط الضغط الذي اخترعه في العام 1927 يعد أول اختراعاته والذي يعمل على تعيين مقدار القوة الكهربائية اللازمة لتشغيل مختلف الآلات ومقدار الضغط الكهربائي الواقع عليها.

وفي العام 1928 اخترع جهازًا للتلفزة يستخدم تأثير انعكاس الإلكترونيات من فيلم مشع رقيق في أنبوبة أشعة المهبط، وهو جهاز إلكتروني يُمَكنْ من سماع الصوت ورؤية الصورة في التليفزيون في آن واحد.

وفي العام 1930 اخترع جهازًا لنقل الصورة ويستخدم هذا الجهاز اليوم في التصوير الكهروضوئي، وهو الأساس الذي ترتكز عليه السينما الحديثة، وخاصة سينما سكوب بالإضافة إلى استخدام هذا الجهاز في التليفزيون.

 وفي العام نفسه اخترع جهازًا لتحويل الطاقة الشمسية إلى طاقة كهربائية مستمرة، وهو عبارة عن بطارية ثانوية يتولد بها حمل كهربائي بمجرد تعرضها لأشعة الشمس، وإذا وُضع عدد منها يغطي مساحة ميل مربع في الصحراء؛ فإن القوة الكهربائية التي يمكن استصدارها من الشمس عندئذ تكون 200 مليون كيلووات.

 

وكان قد شرع قبل وفاته في تصميم محرك طائرة شبيه بالمحرك النفاث الذي تمكن من صناعته البروفيسور الألماني ويلي مسرشميت عام 1944، حيث يسمح بالطيران في طبقات الجو العليا من الجو.

وبعد انتخابه من جمعية المهندسين الكهربائيين الأمريكيين في نيويورك في مطلع العام 1933 تمت ترقيته في الشركة، ومنح لقب "فتى العلم الكهربائي".

واستطاع الصباح اكتشاف طرائق الانشطار والدمج النووي المستخدمة في صنع القنابل الهيدروجينية والنووية والنيترونية.

ووضع الصباح نظريات وأصولًا جديدة لهندسة الكهرباء؛ فشهد له العلماء بالعبقرية ومن بينهم العالم الفرنسي الشهير موريس لوبلان، وبعث إليه الرئيس الأمريكي آنذاك بخطاب يؤكد فيه إعجابه بنبوغه واختراعاته، وأرسلت إليه شركات الكهرباء الكبرى شهادات تعترف بصحة اختراعاته، ومنها شركة "وستنجهاوس" في شيكاغو وثلاث شركات ألمانية أخرى.

وقد شملت علوم الصباح، نواحي معرفية عديدة في مجالات مختلفة مثل الرياضيات البحتة والإحصاء والمنطق والفيزياء وهندسة الطيران والكهرباء والإلكترونيات والتلفزة، وتحدث عن مادة "الهيدرولية" وما ينتج عنها من مصادر للطاقة، واستشهد بشلالات نبع الصفا في جنوب لبنان ونهر الليطاني، كما كانت له آراؤه في المجالات السياسية والاقتصادية والاجتماعية والحرية والاستعمار والمرأة والوطنية والقومية العربية، وكان ذواقًا للأدب ويجيد أربع لغات هي: التركية والفرنسية والإنجليزية والألمانية.

الوفاة

تعرض الصباح مساء يوم الأحد 31 مارس/ آذار 1935، لحادث مروري نتيجة سقوط سيارته في منخفض عميق وعلى إثر ذلك نقل إلى المستشفى، ولكنه فارق الحياة، وقد عجز الأطباء عن تحديد سبب الوفاة، خاصة وأنه قد وجد على مقعد السيارة دون أن يصاب بأية جروح مما يرجح وجود شبهة جنائية خاصة وأنه كان يعاني من حقد زملائه في الشركة، وكان الصباح قد  ذكر ذلك في خطاباته لوالديه.

وحمل جثمان العالم اللبناني والمخترع البارع حسن كامل الصباح في باخرة من نيويورك إلى لبنان، وشيع في جنازة مهيبة إلى مثواه الأخير في مسقط رأسه ببلدة النبطية بجنوب لبنان.

 

قالوا عنه:

  • وصفه الدكتور فؤاد صروف، أحد أساتذته، في مجلة المقتطف، بأنه شيطان من شياطين الرياضيات.
  • قال عنه عالم الكيمياء البريطاني البروفيسور فرانسيس إستون بأنه "كان الوحيد الذي تجرأ على مناقشة آراء آينشتاين الرياضية وانتقادها والتحدث عن النسبية كآينشتاين نفسه".
  • قد رثاه الرئيس التنفيذي لشركة جنرال إلكتريك، التي كان يعمل فيها قائلا: "إنه أعظم المفكرين الرياضيين في البلاد الأمريكية، وإن وفاته تعد خسارة لعالم الاختراع".