تجاوز إلى المحتوى الرئيسي

السودان بين عبدالفتاح وعبدالفتاح.. لماذا يرفض السودانيون تجربة السيسي؟

نُشِر
2019/04/14 10:00 م
تحديث
2019/04/14 10:13 م
تغيير حجم الخط

خاص – صحيفة التمكين

 

لماذا يرفض السودانيون تجربة "حكم عسكري" مثل ذاك الذي صعد على رأسه رئيس مصر عبدالفتاح السيسي بعد انقلابه العسكري على جماعة الإخوان المسلمين حين كان وزيراً للدفاع؟

ربما فطن السودانيون منذ اللحظات الأولى للانقلاب العسكري على الرئيس المخلوع عمر البشير، أن المشهد المصري يتكرر في السودان، لذا فإنهم يصرون على إكمال مشوار الاحتجاجات في الشارع، رافضين سلطة المجلس العسكري الانتقالي بقيادة "عوض بن عوف" المتنحي، ثم "عبدالفتاح البرهان"، ومطالبين بدولة مدنية عادلة تحقيقاً لمطالب الثورة التي يرى الثوار أن الانقلاب العسكري – المدعوم من السعودية والإمارات – يُعتبر التفافاً عليها.

وخشية أن تؤول التطورات في السودان إلى ما آلت إليه مصر بعد الركوب على موجة ثورة الـ25 يناير/كانون الثاني 2011، هتف الثوار السودانيون في الشارع: "إما النصر أو مصر"، واكتظت مواقع التواصل الاجتماعي بهذا الشعار، في إشارة إلى أنه إما الانتصار لثورة السودان وتغيير النظام من جذوره أو الوصول إلى مصير الثورة المصرية.

لم يهلل المحتجون السودانيون بعد إعلان الانقلاب على البشير وتولّي المجلس العسكري الانتقالي زمام الأمور، كما هلل المصريون بعد تنحّي محمد حسني مبارك عن الحكم وتركوا الميدان للمجلس العسكري الذي أعاد تدوير النظام البائد. بل استمرت الاحتجاجات في السودان تطلُّعاً لسلطة مدنية ورفضاً لما يصفه الثوار بـ"الالتفاف على الثورة ودماء السودانيين"، الأمر الذي جعل الفريق عوض بن عوف يتنحى من منصب رئيس المجلس العسكري الانتقالي بعد أقل من 24 ساعة من توليه المنصب.

إلى آخر لحظة من عمر حكمه، كان المخلوع البشير صديقاً عزيزاً لنظام السيسي، حتى أن الأخير منع الصحف ووسائل الإعلام في مصر من تداول أحداث السودان، كما "تم تغييب نخبة مصر ومثقفيها وكتابها وباحثيها من أن يكون لهم رأي ودور واشتباك مع أحداث السودان"، على حد تعبير الخبير بمركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية عمرو الشوبكي، في منشور له على موقع فيسبوك.

كان السيسي "يرى أن أي نجاح للثورة الشعبية السودانية في اقتلاع النظام في جنوب الوادي (السودان) قد ينقل عدوى الربيع العربي إلى شماله (مصر) بنفس المعيار، بالتالي حرص على دعم البشير لتثبيته لمصلحته الشخصية"، بحسب الموقع السوداني صوت الهامش، لذا فقد أرسل وفداً مصرياً إلى الخرطوم في بدايات الأحداث خلال ديسمبر/كانون الأول 2018، وكان ذلك الوفد مؤلفاً من رئيس المخابرات المصرية عباس كامل، ووزير الخارجية المصري سامح شكري، ضمن سلسلة زيارات لوفود أجنبية قدمت إلى الخرطوم منها وفود قطر والسعودية والكويت وروسيا وتركيا.

يواصل "صوت الهامش" بقوله إن جميع الأنظمة العربية والإقليمية – بما فيها النظامان المصري والسعودي – تريد للسودان أن تعيش في حظيرة الدكتاتورية والاستبداد، أولاً لكي تبقي هذا البلد الغني ذا الموارد والثروات الهائلة فقيراً ومتخلفاً في مؤخرة شعوب المنطقة الإقليمية الضعيفة اقتصادياً وتنموياً، وخوفاً من السودان القوية التي ستكون قوى إقليمية لها ثقل إقليمي ودور مواز في الشرق الأوسط وأفريقيا، وثانياً خوفاً من أن يتمكن الشعب السوداني من تحرير نفسه من الدكتاتورية ويساعد شعوبهم في اقتلاعهم نحو تحرير المنطقة من استبدادهم وديكتاتوريتهم.

بمجرد الإطاحة بالبشير، تغيَّر الموقف المصري الداعم للبشير، وأصدرت الخارجية المصرية بياناً أكدت فيه دعم مصر لخيارات الشعب السوداني وثقتها الكاملة في قدرة الشعب السوداني الشقيق وجيشه الوطني.

لقد دعمت السعودية والإمارات انقلاب السيسي على محمد مرسي، وسبق للسيسي – عندما كان مرشحاً للرئاسة – أنْ كشف عن حجم الدعم الذي تلقَّاه من السعودية، وقال إن السعودية منحت مصر أكثر من 20 مليار دولار.

ودعمت الإمارات السيسي سياسياً ومالياً وإعلامياً بعد توليه الرئاسة، وحصلت على امتيازات اقتصادية كبيرة، وعملت على تشويه صورة مرسي، وتلميع صورة السيسي على أنه رجل المرحلة في مناهجها الدراسية، وعبر القنوات الإعلامية، ورأت وسائل إعلام الإخوان المسلمين أن الانقلاب يُعد تدميراً لأول نموذج للحكم المدني الديمقراطي في مصر.

هذه المرة أيضاً ذهب دعم السعودية والإمارات ومعهما البحرين لصالح المجلس العسكري الانتقالي في السودان بقيادة عبدالفتاح البرهان، وقام الثالوث الخليجي – الذي كان على صلات سياسية وثيقة بالمخلوع البشير – بمباركة الانقلاب وتأييد خطوات المجلس، وأعلنت السعودية تقديم مساعدات للسودان وصفتها بـ"المساعدات الإنسانية" تشمل المشتقات البترولية والقمح والأدوية.

ويوصف السيسي بـ"الديكتاتور" الذي جيَّش كل وسائل وإمكانيات الدولة لمواجهة الأصوات المعارضة الأخرى واتهامها بـ"دعم الإرهاب"، واستطاع "خلال السنوات الماضية أن يشكّل الحياة السياسية حسب هواه بعد أن تخلص من كل شركائه في انقلاب يوليو/تموز 2013 ثم خلق كتلة صلبة له من المنتفعين والأمنيين داخل البرلمان وأزاح كل من يمكن أن ينافسه، وفي النهاية فرض الأمر الواقع على الشعب الذي لم يعد يقتنع بأية مبررات يقدمها له السيسي كما كان يحدث بالماضي"، بحسب موقع عربي21.

وكي لا يكون المشهد مطابقاً للحال في مصر، وإصراراً على رفض عسكرة الدولة وإحلال النظام العسكري محل النظام العسكري البائد، أصدر تحالف قوى إعلان الحرية والتغيير الذي يقوده تجمع المهنيين السودانيين، بياناً اليوم الأحد، يفيد أن وفداً من تحالف القوى التقى أمس السبت، بقيادات قوات الشعب المسلحة، وقدَّم الوفد تصورهم للخطوات العاجلة من أجل تعزيز الثقة بين الطرفين وعلى رأسها "تسليم السلطة فوراً إلى حكومة انتقالية مدنية متوافق عليها عبر قوى الحرية والتغيير لتدير البلاد لمدة أربع سنوات تحت حماية قوات الشعب المسلحة".

كما أن "قضايا إنهاء الحرب وبناء السلام تحتل أولوية قصوى في قضايا الانتقال ومن الضروري مشاركة قوى الكفاح المسلح في ترتيبات الانتقال كاملة تفادياً لتكرار تجارب البلاد السابقة ومعالجة قضايا التهميش بصورة جذرية، ومعالجة مظالم الماضي وانتهاكاته عبر آليات العدالة".

طالبت القوى أيضاً بـ"حل المؤتمر الوطني وأيلولة ممتلكاته للدولة، وحل جهاز الأمن وحل الدفاع الشعبي والمليشيات التابعة للمؤتمر الوطني، وتوضيح أسماء المعتقلين من رموز النظام وأماكن اعتقالهم، والقضاء على سيطرة المؤتمر الوطني على الأجهزة الأمنية، وضرورة إعادة هيكلة وإصلاح المؤسسات العدلية، وإصلاح الخدمة المدنية وضمان قوميتها وحياديتها، وضرورة إصلاح المؤسسات الاقتصادية للدولة وتحريرها من سيطرة الدولة العميقة، وإلغاء كافة القوانين المقيدة للحريات، وإزالة كافة اللوائح والأطر القانونية التي تكرس لقهر النساء، مع التمهيد لعملية إصلاح قانوني شاملة، وضرورة إطلاق سراح كافة الأسرى والمعتقلين والمحكومين سياسياً، شاملاً ذلك جميع ضباط وضباط صف والجنود الذين دافعوا عن الثورة".

وأوضحت القوى أن قيادة الجيش وعدت بتنفيذ المهام المتعلقة بأيلولة ممتلكات المؤتمر الوطني للدولة، وإطلاق سراح المعتقلين وإلغاء كافة القوانين المقيدة للحريات، وإعادة هيكلة جهاز الأمن.

سودانيون نشطون على تويتر يدينون مثل هذه المساعي السعودية والإماراتية لإعادة إنتاج نظام السيسي في السودان، ويعبِّرون عبر وسوم متصدرة عن رفضهم الالتفاف على الثورة، مثل وسوم #اعتصام_القياده_العامة و#تسقط_تاني و#لم_تسقط_بعد وغيرها، وأقاموا المفارقات على صعيد الاسمين والصفات العسكرية المتشابهة بين عبدالفتاح السيسي وعبدالفتاح البرهان.