تجاوز إلى المحتوى الرئيسي

خيار الدولة العلمانية وسقوط الدول الدينية

نُشِر
2019/04/14 8:54 م
تحديث
2019/04/14 9:37 م
تغيير حجم الخط

حين تريد أن تصنع التغيير، عليك أن تكون واثقا مما تريد أن تغيره، وعندما تريد أن تخلق التجديد، عليك أن تغامر وتتحمل وتواجه ما قد يعيقك من مشاكل وتحديات ومعيقات تمنع ذلك التجديد. فلا يقبل بالجديد والحديث والأمل والمستقبل إلا الذي يعيش ويحافظ على القديم والماضي والتاريخ.

لا شك أن الأحداث السياسية والاجتماعية العربية، سواء المحلية أو الخارجية، قد تغيرت عن ذي قبل، ولا شك أيضا أن الإنسان العربي أصبح محاصرا بكم هائل من المعلومات والأخبار والأشخاص الذين يحاولون تغيير مفاهيمه أو رؤيته لما يجري حوله بناء على أجندات أو مصالح مختلفة، ولكن يظل وعي الإنسان هو النقطة الفارقة في صناعة الحدث أو تغييره.

وهنا اعتمد ككاتب صحفي على وعي الإنسان وليس على تابعيته أو مصالحه أو هويته الشخصية، في الكتابة والتحليل والاستنتاج حتى نصل إلى رؤية متقدمة معا، ككاتب صحفي وقارئ، لنصنع الفرق معًا والتغيير المنشود في الإنسان والمجتمع. إن ما حصل في العالم العربي من تغييرات خلال السنوات الماضية لم يكن حدثاً عابراً أو نقشًا في الماء، وإنما كان حفراً في العمق وانقلاباً في الصميم، حتى إن لم يكتمل، خصوصاً وأن غبار المعارك ما زال كثيفاً وثقل الماضي الديني قوياً.

لقد أدى التغيير السياسي أو العسكري إلى إطاحة بعض الأنظمة وإسقاط أطروحات فكرية سادت لزمن غير قصير، ولم يكن الأمر مقتصراً على قناعات قطاعات واسعة من العرب والمسلمين وحدهم، بل شمل أوساطاً غير قليلة في أوروبا الشرقية والدول الصناعية المتقدمة (مثل زواج المثليين ورفض الإعدام)، حتى بدت بعض المسلّمات أقرب إلى الأوهام.

إن المعيار الحقيقي للتغيير في مجتمعاتنا العربية لا يتم عبر الإطاحة بالأنظمة الحاكمة السابقة واستبدالها بأخرى، وربما هذا الخيار أو وجهة النظر قد جاءت بعد رؤية عميقة في فشل التجارب الثورية العربية، وإن كان هذا خيار الشعوب التي خرجت بعد عقود من الاستبداد والقمع والطغيان، إلا أن خروجها لم يكن على مستوى التغيير المنشود، فالملاحظ أن التغييرات التي أرادت الشعوب إحداثها ما هي إلا إصلاحات من أجل الفقر والجوع وإصلاح قليل من الفساد، فالتجربة المصرية كمثال بعد حكم مبارك جاءت بأسوأ منه وهو تيار الإخوان المسلمين أو حكم العسكر، وكذلك التجارب الأخرى في ليبيا وتونس وسوريا والعراق التي ما زالت تعاني حتي اليوم من حالة عدم اللا استقرار والحروب الأهلية، بخلاف التجارب في الدول الخليجية التي ما زالت تعاني من الهيمنة القبلية والمذهبية والاستبدادية والتي جعلت من مجتمعاتهم هشة وضعيفة وذات امتداد خارجي، سواء بالتبعية الدينية أو الغربية.

إن المعيار الحقيقي للتغيير يمكن قياسه أو إحداثه بمدى ما يمكن إنجازه من عملية التغيير الاجتماعي الاقتصادي، السياسي والثقافي والقانوني، ولاسيما التنمية والرفاه الاجتماعيين، وتلك تحتاج إلى زمن طويل للحكم عليها وتقويمها إيجاباً أو سلباً ضمن مؤشرات الدخل ومعايير الاقتصاد والانتاج والأمن وغيرها، مع أخذ الظروف الخاصة بعين الاعتبار، بما فيها مستوى التعليم والصحة والبطالة والفقر. فقد أدى التغيير الثوري في الوطن العربي الي نتائج عكسية تماما، مما فرض عدة احتمالات حول شرعية أو مؤامرية حركات الإنقاذ الوطني، ولسنا هنا بمكان التقليل من الروح الوطنية أو الحماس الشبابي لدفع الظلم والطغيان والألم.

إلا أن السلوك العربي، وعلى مدى تاريخه لم يكن إلا سلوكا انفعاليا لا ينظر للمستقبل بقدر ما يعيش لحظته الآنية.

إن صناعة الثورة والتغيير، كما حدث في أوروبا مثلا بدأها رجال الفكر والثقافة والتنوير لعلمهم بأن صناعة المستقبل يكتبها المثقفون أولا. إلا أن ما يحدث عربيا وحتى اليوم هو استمرار النقاش على قضية الهوية المطلوبة للدولة العربية الوطنية بعد الاستقلال وتحديدا بعد عصر النهضة العربية الأولي والتي تعرف باسم اليقظة العربية، أو حركة التنوير العربية، وهي الحالة الفكرية والاجتماعية التي سادت أساسًا في مصر العلوية وسوريا العثمانية، وامتدت لتشمل عواصم عربية أخرى كبغداد، وفاس ومراكش، خلال القرن التاسع عشر، وقد رفع أغلب رجال النهضة شعارات الثورة الفرنسية، بالحرية والعدالة والمساواة، كما تأثروا تأثيرًا بالغًا بفلاسفة عصر الأنوار الأوروبي، وعارضوا السلطة المركزية للدولة العثمانية. ولكن لم يستمر عصر النهضة العربية طويلا إذ رفضت الشعوب العربية مفاهيم الحداثة والتنوير واتجهت إلى عمليات الترقيع والتحديث لمجتمعاتها بعيدا عن معالجة لب الأزمة الأساسية في تشكيل الدولة ومؤسساتها، وهو ما أدى إلى تطوير المجتمعات العربية بالحداثة التكنولوجية مع الإبقاء على البنى الفكرية والذهنية الماضوية كمرجعية تحكم الدول وتتحكم في الشعوب.

لقد أصبحت الدول العربية في غالبيتها اليوم واقعة تحت منظومة الفكر القديم في الحكم أو في مؤسسات المجتمع، نظرا للتزاوج ما بين الأنظمة والتيارات الدينية بعد انتهاء تحالف تلك الأنظمة مع القوميين العرب في فترات سابقة وقبل انهيار الاتحاد السوفييتي. وقبل هذا، فالدول العربية عموما واقعة تحت تأثيرات متعددة صبغت هويتها التاريخية والاجتماعية والسياسية والاقتصادية، منها الاستـبداد السـياسي الـذي شـكل الفتـرة الأطـول في تـاريـخ الأمة، والجمـود المعـرفي والذهني الـذي كان ثـمرة مرة لسيـادة مبـدأ النقل والتقليد، ثم يأتي العامل الأهم وهو تحجـيم دور العقل والشـك في البحث وخصوصا في نقد التراث الديني والثوابت الاجتماعية كالعادات والتقاليد، وأخيرا غيـاب العـدالة الاجتـماعية مع حِـدة الصـراع على السـلطة وفق التفرق الطائفي الذي مزق المجتمعات العربية.

في مجموع هذه العثرات البنيوية الفكرية قبع العقل العربي ضمن دوامة من التراجعات والاستسلامات لشروط بناء النهضة والوقوف من جديد في عالم اليوم، وعلى الرغم من وضوح الانتكاسات التاريخية، إلا أن المجتمعات العربية ومفكريها ومثقفيها مازالوا يراوحون مكانهم، ومازالت السلطة الدينية المتحالفة مع الأنظمة العربية تمارس نهج الاستبداد على حرية الفكر ومنع النقد والتساؤل والشك فيما يتعلق بأساس الانطلاق الي النهضة والحداثة، وهذه النهضة هي التي صنعت في أوروبا والغرب لاحقا حضارة اليوم ومستقبلها الإنساني التي بدأت مع نقد الموروث الديني وتفكيك سلطة رجال الدين ومنعهم من التدخل في شؤون الدولة والمجتمع.

لقد عانت الدول الغربية كثيرا من هذا التدخل الديني وتوصلوا إلى أن السبب الأول في التخلص من عبء التاريخ الماضي إنما يكون بتحييد السلطة الدينية، ومن ثم بناء المجتمع وفق العلمانية والحريات العامة المحددة للتعامل الخاص والعام ومنها الشأن الديني وحرية الاعتقاد.

إن الأمة العربية بما تملكه من تاريخ قبل الإسلام والقائم على التعددية الدينية والتسامح مع مختلف الديانات، حيث كان في مكة العديد من الديانات المختلفة، ولم نسمع أن تم أي انتهاك لأي عبادة، هو المطلوب تفعيله وفق منظومة العلمانية العربية، فالدول الحالية ومنها بعض الدول الدينية لم تستطع أن تقدم المنجز الحضاري والقيمي للشعوب، ولم تستطع بقية الدول العربية المزدوجة ما بين الدين والمدنية أن تكون قادرة على بناء أي نهضة مدنية علمية ذات سلطة شعبية، بل إن الفكر الديني بكل أبعاده شكل العائق الأول في الانطلاق الي الإنسانية والكونية الحضارية.

لقد سقطت الدولة الدينية، إن كان في التاريخ الغابر، أو في التاريخ الحالي، وشكلت العلمانية وفصلها بين الدين والدولة الخيار الإنساني العميق في معرفة الخلل وكيفية التقدم.

إن العلمانية في حد ذاتها لا تعارض الدين والتدين بل تقف محايدة أمام جميع الأديان والمعتقدات نازعة فكرة القداسة الغيبية عن الأفكار مما يجعل الجميع ينخرط في بناء الدولة الوطنية وفق المؤهلات الاخلاقية والمثل والمبادئ الإنسانية.

فالأنظمة العربية اليوم قد ساهمت بتجذير الوهم والغيب والتراجع الحضاري وفقا للفكر الديني الذي كان له الحظوة، وآن الأوان أن تلفظ الشعوب العربية ما يقيدها فكريا لتستطيع الاختيار في حياتها وفقا للحريات والعمل المدني المؤسس على حقوق الإنسان والعدالة والمساواة بين الجنسين.

إن خيار المواجهة القادم لن يكون سهلا ولن يكون مفروشا بالورود، فالتاريخ الإنساني للشعوب الحرة اليوم قد مر بتضحيات وثورات ونضال للفوز بالحضارة والتقدم، والشعوب العربية في تاريخها أيضا عرفت قيمة الثورات الحرة للتخلص من الأنظمة الاستبدادية والاستعمار، وحان الوقت الآن لشعوبنا العربية أن تنظر إلى التاريخ وترى الواقع بعيدا عن أي نظرة متحيزة لتستوضح الفرق وترى السقوط المدوي الذي نعيش فيه، فخيار الدولة العلمانية هو خيار الوعي والمستقبل الآمن لأجيال تعيش اليوم لتصنع المستقبل والحضارة المفقودة منذ انتكاسات النهضة العربية الأولى.

كاتب وباحث كويتي