تجاوز إلى المحتوى الرئيسي

تخشى المرأة التغريد في مجتمع يظن أن التحكم حب

نُشِر
2019/03/14 7:20 م
تحديث
2019/03/14 8:09 م
تغيير حجم الخط

 

تحصل معي كثيراً، أكتب تغريدة نسوية أو تغريدة جريئة فيها نقد لاذع، تحادثني بعض النساء عبر الخاص في "تويتر" ويحكين لي أنهن يرغبن في إعادة التغريد أو التفاعل مع التغريدة لكن بسبب متابعة أزواجهن، أو إخوانهن، أو آبائهن، يخشين القيام بذلك.

يصل حد التحكّم بالمرأة في المجتمع الذكوري إلى الخوف من الإعجاب بتغريدة، أو إعادة التغريد، أو التفاعل مع رأي. تخشى المرأة من عنف الرجل إذا هي عبّرت عن آرائها، أو اتفقت مع أخرى في رأيها.

أما الرجل الذي يراقب ويعنّف المرأة التي تعبّر عن آرائها، والتي تعيد تغريد رأي يعبّر عن تسلط الذكور، فيعتبر تحكمه هذا حباً. هو يحبها إذاً فهو يتحكم بها، هو يحبها إذاً فهو يعنفها إن هي عبّرت عن رأي لا يعجبه. ومن أين تعلّم الرجل هذا النوع من الحب الذي هو في حقيقته تحكّم وعنف؟ من والده الذي يعنّفه ويقول له إن تعنيفه حب، من والده الذي يتحكّم به ويتحكّم بقراراته ويوهمه أن ما يفعله هو حب، وخوف واهتمام، ويجب عليه أن يشكره على كل ذلك التحكّم فهو يخاف عليه ويبحث عن مصلحته. يتعلمه عندما يرى والده يصرخ على أمه ويأمرها بالسكوت فترضخ، ويصرخ على ابنته ويأمرها بالسكوت فترضخ وإلا تعرضت الأم والأخت للضرب.

هذا الأب المتسلّط المتحكّم أيضاً يرضخ تماماً لحاكم يتسلّط عليه، ويتحكّم به، ويظلمه، ويقمعه، ويوهمه أن كل ذلك يجري حباً فيه وخوفاً على مصلحته. يدعي هذا الحاكم أنه الأب والشعب كلهم أبناؤه، وكما يحصل من قِبل الأب في محيط الأسرة داخل البيت، ظاهرياً يبدو هذا الحاكم ليناً متفهماً متواضعاً مع "أبنائه"، إلى أن يعبّر أحد "أبنائه" عن رأي لا يعجبه، أو ينتقد قانوناً أو نظاماً تعسفياً مقيداً لحقوقه وحرياته كفرد، أو يطالب بالمزيد من الحريات، حينها يَظهر هذا الحاكم "الأب" على حقيقته كطاغية ويرمي "أبناءه" بالسجن، ثم يظهر إعلامياً ويُقر بأنه لا يوجد في بلده سجناء رأي، وأنه كفل لشعبه النهضة وحريّة الرأي والتعبير، فتصمت المجاميع بالرغم من حاجتها للانتقاد خشيةً من الحبس. هذا النظام يتطابق مع ما يفعله الرجل داخل نطاق الأسرة، بعد أن يقوم بترهيب أسرته بعدم مخالفته، وتهديدهم إن أبدوا آراء لا تعجبه، أو خرجوا عمّا يعتبره هو مسموحاً، يُقر بأنه غير مقصّر في حقوقهم وأنهم بفضله منعمون مترفون، بينما الواقع أنهم يخشون الانتقاد والبوح بما يشعرون به من قمع وتحكم وتقييد للحريات، لعلمهم مسبقاً أن مصيرهم هو التعنيف.

التحكم في المجتمع الذكوري الأبوي يستمد شرعيّته من الدين الذي ينص على طاعة أولي الأمر ويعتبرها امتداداً من طاعة الله، كما يظن الرجل في المجتمعات الذكورية الأبوية أنه آلهة، باعتبار أن الذكورة والألوهية صفتان متلازمتان في الأديان السماوية.

هذا المجتمع الذكوري الأبوي لا يحرمك فقط من التعبير عن الرأي، بل يذهب إلى ما هو أبعد من ذلك، يحرمك من تكوين رأي، يحرمك من الوصول إلى الرأي عن طريق منع الكتب.

القراءة في الآراء الفلسفية والسياسية والدينية والاجتماعية والاقتصادية المختلفة هي الوسيلة الوحيدة لتكوين رأيك الخاص، والطريقة الوحيدة للاطلاع على البدائل حين تشعر أن الفكر والسلوك الموروث في مجتمعك خاطئ ولابد من تجديده، كما أن قراءة آراء من عارضوا أنظمتهم وعاداتهم المقيّدة يفتح أمامك مساحة شاسعة من الحرية في التفكير، ويوسّع إدراكك، ويمكنّك من النظر إلى ما هو أبعد من الواقع وبإمكانية خلق واقع جديد، ويقلّص وحشة الشعور بالوحدة، الوحدة التي تشعر بها عندما تتساءل ما إذا كنت الوحيد الذي يشعر بأهمية التغيير.

 قراءة الكتب ضرورية جداً لخلق الوعي لدى الفرد وتمكينه من التمرّد على التقاليد الرجعية التي تمنعه من النمو والمضي وتطوير الذات والمجتمع الذي يعيش فيه. والدليل على ذلك قيام الكويت بمنع 4.590 كتاباً في الخمس سنوات الأخيرة، شملت الكتب الممنوعة روايات، ودواوين شعر، وعدداً كبيراً من الكتب الفلسفية والدينية والسياسية الاجتماعية والاقتصادية والعلمية. وماذا كان تبرير السلطة الكويتية لمنع كل هذه الكتب؟ حماية الأفراد، وحماية الشباب من الانجراف وراء هذه الأفكار التي قد تؤثر على عقولهم وتؤثر على المجتمع.. باعتبار أن الشباب هم الفئة الأكثر تعطشاً وتقبلاً ورغبةً في التغيير، تمنع المجتمعات الذكورية الأبوية التفكير عن طريق منع الكتب وقمع حرية الرأي والتعبير وتوهم أفرادها في ذات الوقت أن ما تمارسه ضدهم من قمع هو من صالحهم، وحمايةً لهم.

يدعي الحاكم "الأب" أنه يحمي أبناءه، لكنه في الواقع يحمي شرعيته وسلطته. يدعي أنه يحمي "أبناءه" من انتشار الأفكار المطالبة بالمزيد من الحقوق والحريات، لأن في ذلك خروجاً عن العادات والتقاليد والدين، الذي بدوره سيؤدي للخروج عن الاستقرار والترف الظاهري الذي يتمتع به المجتمع، فيرمي بالمفكرين وبالمعارضين في السجون كما يحصل الآن في الكويت (حيث يوجد 70 سجين رأي) وتتراجع وتصمت الآراء المثقفة الطامحة للتغيير خشيةً من السجن، ويخشى الفرد من التعبير عن رأيه في مواقع التواصل الاجتماعي أو حتى إعادة تغريد رأي يطالب بالتغيير، هكذا تستمر الأنظمة القامعة بالسيطرة وبالحكم.

الأسرة هي النواة المصغّرة للمجتمع، ما يحصل في الأسرة يعكس ما يحصل في المجتمع والعكس صحيح.

في كل بيت في الكويت، نشأ فيه الأبناء وهم يدركون حق الإدراك أن هناك أفكاراً وآراء لا يمكنهم البوح بها أمام الأب خشيةً من غضبه والعقاب، وفي ذات الوقت تم تلقينهم من قِبل هذا الأب بعدم التعبير عن آرائهم السياسية ولا سيما المعارضة منها حتى لا يتعرّضوا للسجن.
___________

* كاتبة كويتية

مقالات الرأي المنشورة لا تعبّر بالضرورة عن الصحيفة.

كاتبة كويتية