تجاوز إلى المحتوى الرئيسي

القدس حق العرب والمسلمين التاريخي

نُشِر
2019/03/12 9:07 م
تحديث
2019/03/12 9:22 م
تغيير حجم الخط

 

 

أثارت تغريدة نتنياهو حول أحقية اليهود التاريخية بالقدس ردود أفعال واسعة، وكان لها تأثير في أوساط نخبوية منها أوساط دارسي التاريخ وباحثيه، وقد زعم نتنياهو في تغريدته أن اليهود موجودون في هذه الأرض منذ 3000 عام، وجاء في تغريدته:

"اليهود قد بنوا في أورشليم قبل 3000 عام وها هم يبنون في أورشليم هذا اليوم! أورشليم ليست عبارة عن مستوطنة وإنما هي عاصمة إسرائيل الأبدية ومنذ 3000 عام. إنها جزء من خلودنا. ونحن ملتزمون بأورشليم".

 

 

فما حقيقة مزاعم نتنياهو من الناحية التاريخية؟ فيما يلي نرصد أهم المعطيات التاريخية حول القدس وفلسطين:

يدّعي اليهود بأنهم أصحاب الأرض، وأنهم أول من عَمرها، وأنهم أصحاب حضارتها، وأنها أرض آبائهم وأجدادهم. وبداية ماذا نعني باليهود؟ هل المقصود يهود بني إسرائيل أحفاد يعقوب (إسرائيل)؟ أم يهود زماننا هذا؟ وهل هناك فرق بينهم؟

فإن كنا نقصد يهود بني إسرائيل، الذين سكنوا القدس وفلسطين قديما، فيمكننا أن نبحث ونناقش، أما إن كنا نقصد يهود زماننا الذين يحتلون فلسطين، فهناك فرق بين يهود القرون القديمة، وبين يهود اليوم.

وبكل بساطة إذا نظرنا إلى يهود اليوم فسنجد فرقًا كبيرًا بينهم وبين بني إسرائيل الذين استوطنوا القدس قديمًا، ويدّعون أنها أرض أجدادهم، ويريدون إرثهم؛ فسنجد أنهم ليسوا من نسلهم ولا أحفادهم إلا القليل جداً منهم، فإن من يحتفظ اليوم من اليهود بسمات وخصائص بني إسرائيل من عصر التوراة قلة ضئيلة، فيصعب ومن الندرة أن تجد في زماننا مَن أصوله يهودية متصلة إلى بني إسرائيل، إذ أن كثيرًا من اليهود المعروفين وجد في أنسابهم دماء مسيحية أو وثنية.

وفي دراسة للأنثربولوجي البريطاني الشهير (جيمس فنتون) عن يهود إسرائيل توصَّل إلى أن 95% من اليهود ليسوا من بني إسرائيل التوراة، وإنما هم أجانب متحولون أو مختلطون، وقد أثبت ذلك أيضاً الأنثربولوجي المخضرم (فيلكس فون لوشان) وأوضح أن من يهودنا المحدثين نحو 50% عراض الرؤوس، 11% ذوو بشرة بيضاء، ومالا يزيد عن 5% يتفقون مع ما عرفنا من النمط السامي القديم... (كتاب: اليهود أنثروبولوجيًا ص171-172).

ومما يثبت ذلك أيضاً أن اليهود بعد خروجهم الأخير وطردهم على يد الرومان خرجوا نحو 40 ألف يهوديًّا، ثم ذكروا أنهم أصبحوا ما بين 4-7 مليون يهودي في أقل من 500 سنة من طردهم، أي أنهم ضاعفوا عددهم ما بين 100-180 مرة، وهذا معدل فلكي لا يمكن أن يكون تم بتزايد طبيعي، بل كان سببه دخول قبائل وشعوب ليست من نسل يعقوب وذريته في اليهودية، وتم ذلك إما عن طريق التبشير أو الزواج ممن ليسوا على دينهم فينسب بعد ذلك الولد لأبيه اليهودي إن كانت أمه غير يهودية أو ينسب لأمه اليهودية إن كان أبوه ليس بيهودي، وقد يتم ذلك أحيانًا عن طريق إغواء الفقراء وأصحاب النفوس الضعيفة بالمال من أجل تغيير معتقداتهم، وقد ثبت حدوث أمثلة لهذا التحول تاريخيًا؛ مثل: اليهود الخَزَر، ويهود الفلاشا، واليهود السود من التاميل، وغيرهم ممن ليس لهم أصول يهودية.

وعلى هذا الأساس فلا يصح أن يطالب أقوام بإرث آباء ليسوا آباءهم، بل هم يهود الشتات وحثالة العالم؛ فقد شتتهم الغزو الفرعوني، ثم الآشوري، ثم الآرامي والبابلي، ثم الإغريقي، ثم البطالسة، ثم الفينيقيون، ثم اليونانيون، ثم الرومان، ومع هذا لو سلَّمنا جدلاً أن اليهود في زماننا هذا هم من نسل يعقوب وأنهم نسل بني إسرائيل القُدامى أصحاب التوراة، أو أن هذه النقطة السابقة لا تنفي حقهم التاريخي في الأرض، فهل معنى هذا أن لهم حق تاريخي في القدس، وأنهم هم السكان الأصليون لهذه البلاد؟!

 

إن التاريخ يفضح كذبهم وزعمهم هذا، فلا شك أن القدس تاريخها قديم جداً، حالها كحال البيت العتيق بمكة، فقد وجدت بعض الاكتشافات في جبل القفرة جنوبي الناصرة، وسفح الرمل قرب طبريا، يعود تاريخها بين عامي (7500-3100 ق.م)، ومن أهم أحداثها أيضًا تأسيس مدينة أريحا التي يعتبرها المؤرخون أقدم بلدة في العالم.

ومع هذا فإننا لا نملك تاريخًا موثقًا مدونًا عن هذه الحقبة التاريخية، وأقدم ما دُوِّن من تاريخ بحق بيت المقدس كان قبل الميلاد بـ3500 سنة، وهو تاريخ (اليبوسيون) وهم بطن من بطون العرب الكنعانيين الذين هاجروا إلى فلسطين، ومن أقدم ملوك اليبوسيين في القدس كان (مليكي صادق) وهو الذي عقد صداقة مع إبراهيم الخليل عليه السلام الذي هاجر إلى فلسطين و استوطن بها، ومليكي صادق كان من الموحدين، وكان يعبد الله هناك، وكان يقري الضيوف، ويباركهم باسم الرب تعالى.

كما غزتها القبائل الكريتية (من جزيرة كريت) وهم الذين ينسب لهم كلمة فلسطين (أي المهاجر أو الغرباء) حوالي (1148ق.م) وقد اندمجوا مع الكنعانيين حتى أصبحت ثقافتهم واحدة.

وبعد مدة من الزمن استطاع بنو إسرائيل هزيمة اليبوسيين، ثم أسسوا مملكة إسرائيل بقيادة داوود عليه السلام، واتخذوا من القدس (أورشليم) عاصمة لها (1013-973 ق.م). (القدس قبل الإسلام؛ و واقدساه للعفاني ج1  ص47-79).

ومما سبق يتضح لنا أن العرب الكنعانيين هم أول من سكن القدس وفلسطين قبل خلق بني إسرائيل وولادتهم ووجودهم في الدنيا، فقد ذكرنا أن إبراهيم هاجر إلى فلسطين وكانت بينه وبين ملكها صداقة، وبنو إسرائيل هم أحفاد يعقوب، ويعقوب حفيد إبراهيم، فبأي عقل ومنطق يزعمون أنهم أصحاب الأرض؟ كما أن القبائل الكريتية التي ينسب لها الفلسطينيون الآن قد وصلت إلى هناك قبل يهود بني إسرائيل، فالحق التاريخي الأصيل يعود لليبوسيين الكنعانيين العرب.

وقد يدعي اليهود أحيانًا أنهم هم أول من أسسوا مجدًا وحضارة في القدس وفلسطين، وأنهم عَمَّروها، ولكن التاريخ لا يرحم الكاذبين، فقد كان الكنعانيون أول من أسس وشيد حضارة القدس وفلسطين والحفريات خير شاهد على ذلك، وقد أنشأ الكنعانيون مدنًا كثيرة منها أسدود وعكا وغزة، وقد بنوا مدينة القدس، واهتموا بها، بل إن اليهود لصوص الحضارة. يقول سليم حسن في موسوعة مصر القديمة: "وقد بقي العبرانيون هناك مدة طويلة، وقد أخذوا ثقافتهم عن الكنعانيين..." (موسوعة مصر القديمة ج9، ص492).

وماذا عن هيكلهم المزعوم؟ الجواب أن الهيكل هو معبد لليهود كان قد بدأ بناءه داوود عليه السلام بالقدس، ومات قبل أن يكمله، وأكمله من بعده ابنه سليمان، وقد أكثر من زخرفته وتجميله حتى صار في أبهى حُلة، والصحيح المثبت أن الهيكل لم يُبْنَ على جبل قبة الصخرة الذي به مسجد قبة الصخرة حاليًا، ولا دليل أيضًا على أن الحرم الإسلامي مبني فوق الهيكل. وحدث أن زحف بختنصر البابلي إلى القدس ودمَّرها ودمَّر هيكلها وجعله أنقاضًأ وسبى اليهود وطردهم من القدس، وهذا يسمى السبي الأول الذي طُردوا فيه من القدس.

ثم بعد ما يقرب من 70 عامًا من طردهم تمكن اليهود من العودة إلى القدس وذلك بعد معاونتهم ملك الفرس (كورش) في الحرب معه والاستيلاء على بابل سنة (539 ق.م)؛ فكافأهم بالعودة للقدس، فعادوا وسعوا في إعادة بناء الهيكل مرة أخرى، وأعادوا بناءه مرة أخرى لكن ليس بجماله السابق.

 ثم تتابعت الحروب والاحتلالات للقدس؛ فمرة من قبل اليونانيين على يد الإسكندر، ومرة أخرى ملك سوريا، حتى خضعت القدس لحكم الرومان سنة (66 ق.م)، وأكثر اليهود من افتعال وإحداث المشاكل مع الرومان، مما جعل الإمبراطور الروماني يأمر بالقضاء عليهم وسبيهم وطردهم من القدس وفلسطين، فتم ذلك بالفعل وتم تدمير الهيكل وتم قتل الكثير من اليهود وسبيهم وطردهم منها عام 70م ولم يعودوا لها مرة أخرى حتى عام 1948م.

لذا يتضح بطلان مزاعم اليهود بأنهم أصحاب الأرض، وأنها أرض آبائهم وأجدادهم، وأنهم أصحاب حضارتها، وغيرها من الدعاوى الباطلة، فهم ليسوا بأصحاب الحق فهذا ليس بإرثهم، ولا اليهود أول من سكنها وحكمها، ولم يكونوا أصحاب حضارتها الأولى.

وإلى ذلك ليس لليهود حصة في القدس؛ لأن الأرض وإن سكنوها من قبل فإنها قد صارت للمسلمين من وجهين:

  •  أنّ اليهود كفروا ولم يعودوا على دين المؤمنين من بني إسرائيل ممن تابعوا وناصروا موسى وعيسى عليهما السلام.
  • أن المسلمين أحقّ بها منهم، لأن الأرض ليست لمن يعمرها أولاً، ولكن لمن يقيم فيها حكم الله لأن الله خلق الأرض وخلق الناس ليعبدوا الله عليها ويُقيموا فيها دين الله وشرعه وحكمه، قال تعالى: (إن الأرض لله يورثها من يشاء من عباده والعاقبة للمتقين) (الأعراف /128 ).

 

ولذلك لو جاء قوم من العرب ليسوا على دين الإسلام فحكموها بالكفر يُقاتلون حتى يرضخوا فيها لحكم الإسلام، فليست القضية قضية شعوب وأعراق وإنما قضية توحيد وإيمان.

الدلالات