تجاوز إلى المحتوى الرئيسي

مثالية لا وجود لها

نُشِر
2019/03/11 8:30 م
تحديث
2019/03/11 8:35 م
تغيير حجم الخط

 

 نسمع يوميًا عن رفض ومحاربة للفساد والظلم والتطرف والإرهاب بالتلفاز والصحافة ووسائل التواصل الاجتماعي المختلفة، ولكن قليلًا ما نجد مواجهة لكل ما سبق على أرض الواقع. ومثل هذا الأمر يجعلنا نتساءل: هل نحن فعلًا جادون بما ندعيه أو نكتبه أو نطرحه؟

 

 فكم من الوقت والمجهود يضيعان على هذه الادعاءات بالإصلاح؟ فعلى سبيل المثال المغرد الكويتي قد يكون الأنشط بالساحة الخليجية في التغريد ولكن هل سلوكياته تعكس ما يكتبه في تغريداته؟ نفس الأمر ينطبق على المغرد العربي، فلو كتبت كلمة الفساد في معرف البحث في تويتر، ستقرأ تغريدات تجعلك تشعر للحظة بأنك تعيش في المجتمع الأفلاطوني، حيث العرب هم الأكثر فاعلية في محاربة الظلم والفساد، ولكن الحقيقة هي أن دولهم تعتلي قوائم الفساد في كافة الإحصاءات بل أن عدم وجود دولة عربية في قوائم الفساد بات أمرًا مستغربًا ومحيرًا.

 

نفس الأمر ينطبق على مدعي محاربة الفكر المتطرف وما يولده من أفعال إرهابية بشعة لا يمكن أن يقدم عليها إلا وحش بهيئة إنسان. فإن كان أشد المتطرفين يحدثك عن التسامح والاعتدال بعد وقوع الجريمة، فإذًا من أين يأتي الإرهاب؟

 يبدو بأن مجتمعاتنا اعتادت على أن تعيش مثالية مزيفة لا وجود لها على أرض الواقع لا من قريب ولا من بعيد. فتجدهم يتحدثون عن حقوق الأقليات ودعم المرأة ونهضة البلد ومحاربة الفساد والتطرف بينما كل أفعالهم تدل على العكس.

هذه المثالية المزيفة باتت هي الأسلوب المعتاد في دولنا، وبالمقابل من ينطق بحقيقة الأحداث يُحارَب ويُهاجَم وتكال له أبشع وأقبح التهم التي لا أساس لها من الصحة. بداية العلاج تبدأ بالتشخيص الصحيح، ولذلك إن لم يوفق الطبيب بتشخيصه، فسيصرف لك علاجًا غير مناسب غالبًا سينتهي بجعل حالتك أكثر سوءًا بدل شفائك. وهذا هو أكبر وباء وداء تعيش فيه مجتمعاتنا العربية، فهي ستشبعك حديثًا عن الحرية والديمقراطية والتقدم والنهضة إلى الدرجة التي تشعرك بأن هذه المجتمعات أٌوهمت نفسها بأن تكرارها للكذبة سيحوّل منها حقيقة.

ما أحوج مجتمعاتنا العربية للأقلام التي تصدقها القول وتصارحها بواقعها، نعم قد يكون الواقع مؤلمًا وبشعًا كذلك، ولكن من دون الاعتراف بالمشكلة فلن نحل حتى أبسط مشاكلنا اليومية وسنستمر في العيش بعالم خيالي لا يتعدى الأفكار التي برأسنا.

المعضلة الحقيقية هي أن القلم الحر والجريء هو الأسهل استهدافًا من قبل السلطات العربية، وبالتالي هذه الأقلام لا تصمد وغير مرغوب بها مقابل الأقلام المأجورة التي تشبع السلطات تملقًا ومديحًا. ولكن من يشجع الأنظمة على مثل هذا السلوك ومعاقبة كل صاحب رأي مختلف؟ أليس هو المجتمع نفسه؟

 جمال المجتمع هو بتنوعه والتعددية التي يحملها، ولذلك علينا أن نكرّس أسلوب النقاش والحوار مع المختلف وليس التخوين والتكفير وهذه الأساليب التي تعكس رجعية مخيفة لكل من يمارسها. تحريضك على من يختلف معك فكريًا ومطالبتك بمعاقبته لن يغير حقيقة ما نطق به، ولكنها ستكرّس ضيق الأفق وقلة الوعي التي تحملها لأنك ببساطة ترفض سماع أي رأي غير الذي تعلمته وأصبحت معتادًا عليه.   

ما أسهل التحدث عن المثاليات وبالمقابل التطبيق يحتاج إلى وضع خطة عمل وصبر بالإضافة إلى جهد مستمر ومثابرة لتحقيق الهدف. ويتضح من قراءة واقعنا العربي أن كثيرًا منا فضل العيش بوهم على أن يتقبل واقعًا مريرًا وصعبًا، بل وصل الحال بالبعض أن يخلطوا الوهم بالحلم ويحدثوك عن الكرامة والحرية والأمان بالعالم العربي وكأنهم يعيشون بكوكب آخر لا نعرفه! فلو كان كل ما سبق صحيحًا فلم تعج سجوننا بأصحاب الرأي؟ ولم أصبح القول المرسل جريمة عقوبتها تفوق حتى القتل والإرهاب؟

لو فكر أحد منكم اليوم أن ينتقد تصرفات الحاكم ببلده أو حتى مسؤول كبير الجميع يعلم بفساده لاختفى ولغير رجعة غير مأسوف عليه، وبعدها بيوم ستجد بقية المجتمع يحدثونك عن الكرامة والحرية والأمان في هذا البلد وكأن شيئًا لم يكن! وتستمر الحياة على هذا المنوال في العالم العربي الحزين.

___________________

 

مقالات الرأي المنشورة لا تعبّر بالضرورة عن الصحيفة.