تجاوز إلى المحتوى الرئيسي

بين الدين والطائفية.. المفعول الاجتماعي

نُشِر
2019/03/7 5:55 م
تحديث
2019/03/7 6:10 م
تغيير حجم الخط

 

بإزاء فيض التعريفات المتداولة حول مصطلح الطائفية، نجد أن التعريف الأشدّ وضوحاً وكثافة ودلالة هو: استخدام الدين لأغراض غير دينية، قد تكون سياسية، أو/و اجتماعية، أو/واقتصادية، أو/و نفسية.

ولأن الدين لا يزوّد أولئك الذين يريدون استغلاله لتحقيق مآرب غير دينية بنصوص خام وصريحة، فإنّهم يلجؤون إلى النطاق التأويلي، ساحة التجاذب الفعلية بين الأفهام، والرجال، والتيارات.. فيصبح تفسير الدين، وليس الدين، هو المصنّع الفعّال لكل الأفكار والمواقف الطائفية، وهي بدورها التي تنزع نحو مصادرة الدين، وعياً، وقيماً، وحضارة، ونظام حياة.

من هنا تبدأ المقارنة بين الدين والطائفية، كيما تنجلي المفارقات الحادّة بينهما ليس في السياسة فحسب، بل في كل مجالات الحياة. ولابد من التأكيد تبعاً لذلك على أن الإسلام هو تلك الدالات الثلاث: الدين، والدنيا، والدولة، ولا فصل بينها في إطار كونية الإسلام، وهو نفس الإطار الذي تحاول الطائفية اختراقه بصورة شاملة.. فهي تتقمص دور الدين، وتتزيّا بعباءته، وتتمظهر فيه من أجل تسويغ وجودها ونفي الوجودات الأخرى. فالمذهب مفصولاً عن الدين لا مشروعية له، ولذلك يدّعي كل مذهب بأنه الدين الحق و(الفرقة الناجية)، لا يعني ذلك إلغاء المذهبية، فإن المذاهب هي التظهيرات العملانية للدين، إن أبقت على نقاوة النص الديني وطهرانيته، ونأت عن احتكار الحقيقة الدينية المطلقة.

المدخل الافتراقي بين الاسلام والطائفية يبدأ من نقطة الانطلاق، فبينما يوجّه الإسلام رسالته إلى العقل ثم تنعكس على القلب باعتباره مضغة الإيمان التي تجعل من الحقائق العقلية مشاعر وجدانية حيوية، وطاقة فعّالة نحو الانقطاع لله وحده عبادة، وفكراً، وسلوكاً، وعلاقة مع الخلق.. باختصار، يدخل الإسلام إلى القلب عن طريق العقل، فإن على العكس من ذلك تماماً، تمارس الطائفية فعلاً ضدّياً، تبدأ بتخريب الشبكة الوجدانية واستفزاز الجانب الغرائزي لتبدأ رحلتها بتخريب الحقائق العقلية، فلا يعود هناك إيمانٌ، وإن تزّيفت به، ولا تعود هناك حقائق إيمانية وإن تلبّستها ظاهراً، بل لا يعود هناك دينٌ وإن جرى توظيف مفرداته، لأننا أمام شيء آخر يشتمل على أشياء كثيرة، ولكن ليس من بينها الدين.

ولذلك لا تجتمع الطائفية والدين في مجتمع واحد، ومكان واحد، حتى إن بدا أن هناك مظاهر دينية، أو أشكالاً في الالتزام الديني، فإما أن يكون ديناً أو تكون طائفية.

وهنا سنتوقف عند جملة مقارنات بين الدين والطائفية للتعرّف على الآثار التدميرية للأخيرة على العلاقات الاجتماعية، وعلى وحدة، وقيم، وسلامة المجتمع:

ـ الدين ينمو في مجتمع العقل والتقوى ويحرر الإنسان من الأغلال (ويرفع عنهم إصرهم والأغلال التي كانت عليهم)، ولذلك ليس في الإسلام إكليروس، أو طبقة دينية، في المقابل، لا تعمل الطائفية إلا في محيط جاهل، وجهاز محرّض، وتصنّع بطريقة ملفتة رموزاً أوتوا حظاً بائساً من العلم والفهم والتقوى.

في حقيقة الأمر، تعمل الطائفية على جبهتين:

ـ نفي الدين

ـ تعطيل دور العقل

وهذا ما يؤكّد من جهة على الارتباط الحميمي بين العقل والدين، فكلما ازداد منسوب الطائفية انخفض في المقابل مستوى العقل والدين، إذ لا يمكن أن تجتمع الطائفية مع العقل والدين في مكان واحد.

وللسبب نفسه، فإن المجتمعات المكشوفة على الطائفية أو التي تصاب بدائها تكون ساحات غير محصّنة أمام الحروب الأهلية، والاضطرابات الاجتماعية، والاقتصادية، إذ يصبح نظام المناعة ضعيفاً إلى حد أن أي فايروس مهما صغر ينفذ إلى المجتمع يصبح فاعلاً ومنتشراً.  فالدين يحصّن المجتمع والطائفية تهدم كل حصن.

وهنا يكمن فارق عميق وجوهري بين الدين والطائفية، فبينما يعمل الأول على الوعي والارتقاء به تنغمس الثانية في التعبئة والتجييش العاطفي الذي يؤول إلى انحطاط الوعي. أي باختصار: إنها معركة الوعي في مقابل التعبئة الغرائزية، أو العقل في مجابهة الجهل.

ـ في الطائفية يتعطّل الإنتاج، وتذوي الحيوية، وتتوارى الإيجابية ويسود الجمود، والشكّ المتبادل والسلبية، ومن المؤسّف أن الطائفية كونها تعمل في المجال الغرائزي للبشر، يصبح دور العقل هامشياً بحيث يعجز عن إنتاج حلول مقبولة، فكلمة العقل غير مسموعة في صخب المهاترات الطائفية المتفشية في مجتمع ما..

 

ـ الدين يربّي المؤمن على أدب الحوار، والتعامل الحسن مع البشر على اختلاف دوائر القربى (العائلة، الجيران، المجتمع، البشر عموماً). (وقولوا للناس حسناً..)، وفي آية أخرى (وقل لعبادي يقولوا التي هي أحسن) وعن الوالدين (وقل لهما قولاً كريماً)، و(إذا خاطبهم الجاهلون قالوا سلاماً)، ويصف المتقّين (الذين ينفقون في السرّاء والضرّاء والكاظمين الغيظ والعافين عن الناس والله يحب المحسنين)، وفي آية معبّرة (ولمن صبر وغفر فإن ذلك من عزم الأمور)، وفي آية (فبما رحمة من الله لنت لهم ولو كنت فظاً غليظ القلب لانفضوا من حولك)، وآيات مماثلة (خذ بالعفو وأمر بالعرف وأعرض عن الجاهلين)، (فمن عفا وأصلح)، وفي آية (فاصفح الصفح الجميل)، وآيات مستفيضة ترسم التصوّر الإسلامي للإنسان المؤمن.

على الضد تعمل الطائفية، فأول ما تزرعه هو الشقاق، والتنافر، والشحن الغرائزي، والتحريض على الكراهية، والقطيعة، والتدابر، وتمزيق الأواصر، بحيث لا يرى الإنسان في الآخر سوى خصم لدود، بل تزيّن الطائفية للمصاب بها بأن عدوّه الأول والأخير هو من يختلف معه في الرأي والاعتقاد والمذهب، فتولّد الطائفية أعداء وهميين على حساب الأعداء الحقيقيين، لأن التقييم هنا ليس على حسابات عقلية أو دينية بل هي حسابات دنيوية ومباشرة.

ولذلك، قد يستعمل البعض الآيات سالفة الذكر ولكن بخلاف الرسالة الحقيقية الثاوية فيها، فيرى مثلاً بأن القول الحسن للناس إنما هو بغرض استقطابه ثم إعادة استخدامه وتجنيده في معارك طائفية، فالقول الحسن لا يصبح قيمة في مثل هذه الحالة وإنما مصلحة وأداة، وهذا ما لا يريده الإسلام، بل يريده قيمة تحكم سلوك الإنسان المسلم في كل أحواله.

في ضوء ما سبق، يضع الدين الإنسان قيمة عليا ويشدّد على المحافظة عليها من العدوان والانتهاك، بينما تلغي الطائفية الحدود كافة.

فالدين لا يكفّر أحداً لأنه يدعو إلى الاتحاد، والأخوة، وحسن الظن بالناس، وعصمة الدم والمال كما تشدّد على ذلك آيات كثيرة: (إنما المؤمنون إخوة..)، (واعتصموا بحبل الله ولا تفرّقوا..)، ( يا أيها الذين آمنوا لا يسخر قوم من قوم عسى أن يكونوا خيرًا منهم ولا نساء من نساء عسى أن يكن خيرًا منهن ولا تلمزوا أنفسكم ولا تنابزوا بالألقاب بئس الاسم الفسوق بعد الإيمان ومن لم يتب فأولئك هم الظالمون)، (ويل لكل همزة لمزة..)، (ولا يغتب بعضكم بعضاً أيحب أحدكم أن يأكل لحم أخيه ميتاً فكرهتموه).

وفي الحديث النبوي الشريف (المسلم من سلم المسلمون من يده ولسانه)، و(المسلمون كالجسد الواحد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى).. وفي رواية (إنكم لن تسعوا الناس بأموالكم فسعوهم بحسن الخلق أو بأخلاقكم).. و(بشروا ولا تنفروا، ويسرّوا ولا تعسّروا)، و(تخلّقوا بأخلاق الله).. هذا هو الدين الذي نزل على قلب المصطفى الحبيب محمد صلى الله عليه وآله وسلم..

حين نضع الطائفية على محك النصوص الدينية هذه نجد بأنها تعمل على النقيض من روحها ورسالتها، إذ تبيح الطائفية للمصاب بها بأن يغتاب، ويسخر، ويلمز، ويهمز، وينبز، ويفرّق، وينفي عصمة المال والدم.. ويكفّر ويأمر بالقتل.. وهذه مجتمعة، تمثّل مفردات في قاموس الطائفية، فمن يفعل ذلك كله هي الطائفية ولكن تتلطى وراء الدين، كيما يسبغ عليها مشروعية، بحيث يصبح (لا غيبة لفاسق)، و(ومن لم يكفّر كافراً فهو كافر)..وباقي قائمة الأحكام العملانية هي القيم البديلة/الفاسدة التي تؤول إلى تمزيق المجتمع وتقسيمه إلى مؤمنين وكفّار ليس على مستوى الأمة فحسب، بل تتنزّل الأحكام لتصبح القسمة داخل العائلة الواحدة والحي الواحد.. وليتخيّل المرء كيف يكون حال مجتمع تحكمه مثل تلك المفردات التي لا تبقى حجراً على حجر في البناء الاجتماعي.

ـ هناك اليوم من يحافظ على صدقيته، ووجوده، ومشروعيته عبر تصعيد وتسعير الخطاب الطائفي، وبدلاً من أن يكون الدين وقيمه وأخلاقياته خارطة طريق المؤمن، ونجماً هادياً له، تصبح الطائفية (أي اللادينية، وليس اللادين) هو معلم الطريق والمرشد في العلاقات الاجتماعية، والنظرة إزاء الآخر، والموقف منه.

ـ بينما يؤكّد الدين على التثبّت، والتمحيص، والتحقيق على مستوى الحالات الفردية والنأي عن الأحكام العمومية، تلعب الطائفية دائماً على المسرح العام، وتستهدف أحكامها الجماعات، بحيث يصبح التكفير جماعياً، والعقاب جماعياً، والقتل أيضاً جماعياً.. فهل هذا منطق الدين أم منطق الطائفية؟

الدين يقبل من الإنسان المسلم ظاهره، والطائفية تسبر النوايا، ولا تقبل منك ما تدّعيه أنت بل ما تتصوّره لك وتمليه عليك، وتخيّلوا كيف ينعكس ذلك على المجتمع. (يا أيها الذين آمنوا إذا ضربتم  في سبيل الله فتبينوا ولا تقولوا لمن ألقى إليكم السلام لست مؤمناً، تبتغون عرض الحياة الدنيا فعند الله مغانم كثيرة كذلك كنتم من قبل فمنَّ الله عليكم فتبيّنوا إن الله كان بما تعملون خبيرا)، فذكر كلمة (فتبيّنوا) مرتين للتشديد على الحاجة إلى التثبّت قبل إصدار الحكم، وترتيب أثر عملي عليه لاحقاً.

 

ولذلك يمكن الجزم أن كل الذين يتعاطون الطائفية لا يسعون إلى تحقيق أهداف دينية، بل هي دائماً أهداف دنيوية، سياسية، خاصة (شخصية أو فئوية).

وعلى المستوى الاجتماعي، فإن مجتمعاً يرتاب أفراده بعضه في بعض، وينغمسون في دوامة الشك المتبادل، كيف يعيش بسلام، وهل يتصوّر سلام اجتماعي في ظل الطائفية؟.

 في الدين، ينشغل المؤمن بنفسه طلباً لنجاتها في الدنيا والآخرة، فهو يحصي ذنوبه وما قصّر في جنب الله سبحانه وتعالى، فيقوم بمراجعة ذاته. فالإحساس بالتقصير الدائم يجعله في مسيس الحاجة إلى التكفير عن الذنب، وتحسين الأداء، والانقطاع إلى الله، والنأي عن محارمه، والتقرّب إليه بقضاء حاجات عباده، فيعيش في الدنيا كعابر سبيل، ويشفق على نفسه من الوقوع في حبائل الإثم،  ونقرأ في صفات المتّقين لإمام المتقّين علي بن أبي طالب قوله (فالمتقون فيها هم أهل الفضائل. منطقهم الصواب، وملبسهم الاقتصاد، ومشيهم التواضع. غضّوا أبصارهم عمّا حرّم الله عليهم، وقصروا أسماعهم على العلم النافع لهم..)، ثم ينقل صورة معبّرة عن المتقّين ( فهم والجنة كمن قد رآها، فهم فيها متنعمون، وهم والنار كمن قد رآها، فهم فيها معذبون. قلوبهم محزونة، وشرورهم مأمونة..)، ثم يقول عليه السلام (فهم لأنفسهم متّهمون. ومن أعمالهم مشفقون إذا زُكِّي أحد منهم خاف مما يقال له فيقول: أنا أعلم بنفسي من غيري وربي أعلم بنفسي مني). ويصف حال أحدهم بالقول (يعمل الأعمال الصالحة وهو على وجل. يمسي وهمه الشكر ويصبح وهمه الذكر. يبيت حذرًا ويصبح فرحاً، حذراً، لما حذر من الغفلة، وفرحًا بما أصاب من الفضل والرحمة). ويقول أيضاً (الخير منه مأمول، والشرّ منه مأمون.. يعفو عمّن ظلمه. ويعطي من حرمه. ويصل من قطعه. بعيداً فحشه. ليناً قوله. غائباً منكره. حاضراً معروفه. مقبلاً خيره. مدبراً شرّه.. لا يحيف على من يبغض. ولا يأثم فيمن يحب. ولا يدّعي ما ليس له ولا يجحد حقًا هو عليه. يعترف بالحق قبل أن يشهد عليه. ولا يضيع ما استحفظ. ولا ينسي ما ذكر. ولا يتنابز بالألقاب. ولا يضار بالجار. ولا يشمت بالمصائب..). هذا هو حال المؤمن كما يصوّره أمير المؤمنين.

أما الطائفية، فتجعل الآخر شغل المصاب بها، فتنسيه نفسه، فيرى ذاته كاملة، منزّهة، مالكة للحق المطلق، فتتحوّل إلى شخصية شريّرة تفوح البذاءة من فمها، وتنطق العداوة على لسانها، فلا ترى في غيرها محقّاً ولو على سبيل الظن الحسن، ولا سواها مؤمناً ولو على سبيل الظاهر المحتمل، فإن حكمت جارت، وإن نظرت فجرت، لا يعجبها من أعمال من يخالفها شيء، فيصبح المصاب بها كمن فقد الصواب حتى غرق في الطائفية ولم يشعر بأنه ناقع فيها أو حتى محرّض عليها..

وفي الأخير، فإن الدين يرسم مساراً للمستقبل وتطويره، بينما الطائفية ترتدّ بأهل دعوتها إلى الوراء، لتفتيت حركة الدين وتشويه جوهر رسالته، وبالتالي تفتيت الأمة بكل مكوّناتها وطوائفها، لتصبح شيعاً لا يكون التعايش والتسامح والعفو والصفح آيات لهم كما أراد رب العالمين لهذا الدين (شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلاَ تَتَفَرَّقُوا فِيهِ)..الآية. وقال سبحانه في آية أخرى: (قل كل يعمل على شاكلته فربكم أعلم بمن هو أهدى سبيلا).

_____________

مقالات الرأي لا تعبر بالضرورة عن سياسة الصحيفة