تجاوز إلى المحتوى الرئيسي

فهرس التطبيل في السعودية.. قصة الأصوات النشاز

image
نُشِر
2019/01/22 4:33 م
تحديث
2019/01/22 4:44 م
تغيير حجم الخط

صحيفة التمكين - أخبار وتقارير

 

ارتزاق، بذاءة، أنشطة إعلامية مجرَّدة من الأخلاق العربية والإسلامية.. لماذا يحتاج النظام السعودي إلى مطبِّلين مأجورين؟ وهل يلمّعون بالفعل صورة الملك سلمان وولده ولي العهد أم أنهم يزيدونها تشويهاً؟

تعترف صحيفة الجزيرة السعودية أن التطبيل، أو المديح الزائف، لا يخدم الدولة، بل يؤذيها، لأنه زائف ويشتت الذهن، وتقول إن التاريخ علَّمنا أن المنجزات العظيمة لا تحتاج إلى طبول نحوها من أجل أن تكون عظيمة في عيون المجد[1].

وفلسفة التطبيل والزيف لها جذور في ثقافتنا العربية، فقد ازدهرت كثيراً منذ سيطرة الأحادية المطلقة، وبعد أن أصبحت المحسوبية جزءاً من الثقافة الدينية، وقد وصل الأمر إلى أن يكون الإنسان مزدوجاً في المعايير، ففي الظاهر هو المتدين، بينما في الخفاء له ممارسات فاسدة. وقد أدى نجاح هذا النهج إلى منحه مشروعية في حياة الرموز، حسب اعترافات الصحيفة السعودية ذاتها.

والأفدح أن الصحيفة التي تعجُّ بكثير من الكُتَّاب السعوديين المطبِّلين تُورِدُ فكرةَ أن "أسوأ الدول إنجازاً تلك التي تعتقد أن التطبيل والمدح الزائف يساهمان في السيطرة على عقول الناس وفي توجيههم"، وكأن العبارة تضمَّنت إقراراً غير مباشر بسوء الدولة السعودية التي تعتمد على الترويج لمحاسن السياسات التي ينتهجها الملك سلمان وولي العهد محمد بن سلمان، والتي يعمل الإعلاميون على التطبيل والمدح الزائف لها لصرف أنظار وعقول الناس عن الأخطاء المرتكبة بالفعل.

فهذا الكاتب السعودي المعارض سعود السبعاني، يقول في كتابه "عربيد الرياض"، إن الملك سلمان عندما كان أميراً للرياض سارع إلى شراء "المجموعة السعودية للأبحاث والتسويق" من ابن أخيه تركي بن فيصل وخاله التركي كمال أدهم، والمؤسسة عبارة عن مجموعة أبحاث ونشر تضمُّ: صحيفة عرب نيوز باللغة الإنجليزية، وصحيفة الشرق الأوسط اللندنية، وصحيفة الاقتصادية، ومجلة الرجل، ومجلة سيدتي، ومجلة الجميلة.. الخ[2].

فهرس التطبيع1 غلاف كتاب

كان سلمان يدرك أن دور النشر ووسائل الإعلام المقروءة- وخصوصاً الصحافة- لا تُدرُّ الأموال الكافية في الدول العربية، إلا أنها تعطي النفوذ وتتحكم بالسلطة السياسية وتمنح الشهرة وتشكل سلطة نافذة في أي بلد، ولكي يعالج مسألة الخسائر المالية الأكيدة، فَرَض على جميع الوزارات الحكومية في الداخل وعلى جميع السفارات والقنصليات والملحقيات السعودية في الخارج، بالاشتراك السنوي في صحفه ومجلاته الورقية، وكانت توزَّع أيضاً على كافة مكاتب ورحلات الطيران الخاصة بالخطوط الجوية السعودية الخاضعة لسلطة شقيقه "سلطان" الذي كان يفرض بدوره "صحيفة الحياة" المملوكة لولده "خالد"، وبهذا كانت مجموعة سلمان تطبع ملايين النسخ يومياً من صحيفة الشرق الأوسط وملحقاتها وهو يجني مئات الملايين وهو يجلس في مكتبه الفاره في إمارة الرياض، وفقاً للكتاب.

"وهنا بدأت حسابات سلمان البنكية تنتعش بالملايين، وبات يستكتب في صحيفته كل من يراه قادراً على "التطبيل" والتزمير له ولأسرته الحاكمة، وأحياناً يتم استكتاب من لديه نزعة خفية ضد آل سعود، فيتم تدجينه منذ أول راتب يتلقاه من صحيفة طويل العمر في لندن"، يقول الكاتب.

ويضيف: "فأصبحت صحيفته اللندنية وكراً لكل مرتزق وقلم مأجور تكمن مهمتهم في "التطبيل" والتزمير للنظام السعودي، وهم على استعداد كامل للنفاح عن آل سعود في حال حدوث أي خلاف مع أي نظام عربي آخر، وكان على رأس هؤلاء المرتزقة "جهاد الخازن" و"أنيس منصور" و"سمير عطا الله" و"خالد القشطيني" وغيرهم من مرتزقة القلم".

ما ذكره السبعاني في مؤلَّفه ليس إلا إحدى مقدّمات مشوار سلمان الأمير الرامي إلى الشهرة وجني الثروة وكسب الثقة وتلميع الصيت أمام الجمهور العربي والدولي، ضمن سلسلة من الأعمال الربحية إعلامياً التي لاتزال ممتدة حتى يومنا هذا بقيادة ولي العهد محمد بن سلمان، الابن المفضَّل لدى الملك.

فولي العهد يدرك هو الآخر أهمية التطبيل لترسيخ أركان سلطته، فلجأ إلى أذرعه من السياسيين البارزين كسعود القحطاني قائداً للمنظومة الإلكترونية "جيش الذباب الإلكتروني" وتركي آل الشيخ، وعلماء السلطة كمفتي السعودية الشيخ عبدالعزيز آل الشيخ، والشيخ عائض القرني والشيخ عبدالرحمن السديس والشيخ صالح المغامسي والشيخ عبدالعزيز الريس والشيخ حمد العتيق والشيخ عادل الكلباني والشيخ محمد العريفي والداعية فيصل العنزي وغيرهم من الواجهات الدينية السعودية في وسائل الإعلام.

وكل من يصمت عن امتداح النظام من الدعويين والخطباء، هم عبارة عن "دعاة فتنة" رسمياً، ففي مقابلة أجرتها صحيفة "المدينة" السعودية مع وزير الشؤون الإسلامية عبداللطيف آل الشيخ، قال إنه "لن يسمح لمثيري الفتن من هؤلاء بالصعود للمنابر أو ممارسة الدعوة بأي شكل من أشكالها"، وأشار إلى أن الوزارة لديها خطة لتزويد المساجد في أرجاء المملكة بكاميرات مراقبة وربطها بمركز تحكُّم لمتابعتها.

كما وظَّف ابن سلمان عدداً كبيراً من الإعلاميين والكُتّاب السعوديين في سبيل "التطبيل"، أمثال تركي الدخيل، وعبدالله بن بجاد العتيبي، وعبدالرحمن الراشد، وتركي الحمد، وعبدالحميد الحكيم، وعبدالحميد الغبين، ودحام العنزي، وهاشم عبده هاشم، ومحمد الملا، وفايز النشوان، وخالد المطرفي، والروائي عبده خال، والناقد الدكتور عبدالله الغذامي، ومحمد بن نخيلان، وغيرهم كثيرون.

وعندما لم يكن كافياً "التطبيل السعودي" لولي العهد، استأجر الأخير مطبّلين كُثُر غير سعوديين، ومن كافة التيارات والمسميات الإعلامية، كالكاتب الكويتي فهد الشليمي، والجزائري أنور مالك، والأردني المعروف ببذاءته يوسف علاونة، والإعلامي المصري عمرو أديب الذي منحه تركي آل الشيخ فرصة تقديم برنامج على قناة "إم بي سي" بأجرٍ ضخم وصل إلى 3 ملايين دولار سنوياً و500 ألف دولار مزايا أخرى ومكافآت، فضلاً عن سائر إعلاميي النظام المصري المأجورين.

كذلك اللبناني جيري ماهر، والناشط الأحوازي أمجد طه، والصحفي الجزائري رضا كربوسي، والسياسي العراقي صباح الخزاعي، والباحث العراقي نبيل الحيدري، والإعلامي الكويتي عايد المناع، والمنشد الكويتي مشاري العفاسي، والداعية الأردني الإماراتي وسيم يوسف، والصحفي الكويتي أحمد الجار الله، وغيرهم الكثيرون.

وهناك نبرة مختلفة من "التطبيل" بطريقة أكاديمية افتعلها الباحث السعودي الدكتور "عبدالمجيد بن محمد العساكر" الذي أعدَّ رسالة دكتوراه بعنوان: "السياسة الإصلاحية لولي العهد الأمير محمد بن سلمان بن عبدالعزيز تجاه دعاة الجماعات الإرهابية"، والتي دعا إلى مناقشتها المعهد العالي للدعوة والاحتساب في ديسمبر 2018.

وضمَّت لجنة مناقشة الرسالة ثلاثة من كبار رموز التطبيل الإسلاميين هم وزير الشؤون الإسلامية عبداللطيف آل الشيخ، وعميد المعهد العالي للدعوة والاحتساب عبدالله اللحيدان، وعضو هيئة كبار العلماء سليمان أبا الخيل (الذي كافأه الملك سلمان بعزله مؤخراً من منصب مدير جامعة الإمام).

وثمة شخصيات سعودية بارزة عُرفت بتطبيلها لكنها لم تَسلم من تضييق النظام، مثل الداعية محمد العريفي، الذي اختفى حسابه على تويتر في ديسمبر 2018 لأسباب مجهولة، وأثار اختفاؤه تساؤلات عن مصيره وما إذا كان قد اعتُقل، خاصةً وقد قامت أجهزة الأمن مسبقاً باعتقال نجله "عبدالرحمن العريفي"، كما أن محمد العريفي مُنع من الخطابة نهائياً في جامع البواردي بالرياض، بقرارٍ أصدره عبداللطيف آل الشيخ، في سبتمبر 2018.

فهرس التطبيع العريفي

كذلك الكاتب السعودي محمد الرطيان الذي لم يكتب شيئاً منذ يونيو 2018، ولا أنباء عن أسباب اختفائه وعدم تعليقه على أيٍّ من القضايا الراهنة التي أبرزها قضية اغتيال الصحفي جمال خاشقجي.

كما يقبع في المعتقل منذ أكتوبر 2018 الداعية الدكتور "محسن العواجي"، الذي لم تشفع له حسناته وكان من أشهر مطبّلي ولي العهد السابق محمد بن نايف وأبيه وزير الداخلية السابق الأمير نايف بن عبدالعزيز. وقد ظهر العواجي في حلقة من البرنامج الموقوف "في الصميم" على "روتانا خليجية" يمدح عهد الملك سلمان وينتقد ما أسماه "العهد السابق" وأخطاءه، أي عهد الملك عبدالله، لكن جزاء تطبيله- الذي خانه- كان الحبس، مع مقدّم البرنامج "عبدالله المديفر".

وتلك ليست المرة الأولى التي يُعاقَب فيها كاتب امتدح الملك سلمان وخانه تطبيله.

كان هو الكاتب رمضان العنزي، الذي نشر مطلع يوليو 2017 مقالاً في صحيفة "الجزيرة" السعودية، غالى في امتداح الملك سلمان ووصفه بصفات تخص الذات الإلهية وصفات أخرى وصف الله بها نبيَّه إبراهيم، وكان عنوان المقال "يا خادم الحرمين الشريفين.. كم أنت حليم أواه منيب شديد العقاب"، فما كان من الملك إلا أن كافأه بإيقافه عن الكتابة، وسارعت الصحيفة إلى الاعتذار عن التطبيل الذي بدر عن العنزي وتبرأت من مقاله و"اجتهاده غير الموفَّق"، بحسب بيانٍ للصحيفة.

واعتذرت الصحيفة عن تطبيل العنزي الزائد بتطبيلٍ من نوعٍ آخر دون مسّ الذات الإلهية، فقالت: "العبارات والمديح الذي أطراه الكاتب في شخصية خادم الحرمين الشريفين بالتأكيد لم ولن يُقبل، رغم ما حباه الله به- حفظه الله- من شرف خدمة الحرمين الشريفين والإسلام والوطن والشعب".

وهناك مطبّلون أُجبروا على التطبيل رغماً عنهم، كالملياردير الوليد بن طلال، الذي نهب ابن سلمان أصوله المالية مقابل الإفراج عنه من معتقله "فندق ريتز كارلتون" في يناير 2018، وعادةً ما يصف الوليدُ ابن سلمان بـ"أخي ولي العهد محمد بن سلمان" في تغريداته على تويتر، ولا يجرؤ الوليد على الخروج من سرب المدَّاحين، نظراً لمنعه من الخروج أصلاً من المملكة.

فهرس التطبيع3 الوليد

وأمام كل أصناف وأرباب التطبيل للنظام السعودي، يبقى التطبيلُ الذي يفوق التوقعات ويتجاوز حدود الدين والآداب العامة هو تطبيل "المشايخ" الآنف ذكرهم، والذين يقومون بتوظيف الصوت الإسلامي خدمةً للحاكم إلى حد التقديس والتنزيه كما لو كان نبياً أو إلهاً يُعبد.

فتارةً يصفون ابن سلمان بآية الله في الأرض، وتارة بالمعجزة، وأخرى يتم تشبيهه بالجبال الشم وفارس العرب وحامي الإسلام وغيرها من الأوصاف التي برع فيها أمثال صالح المغامسي، والذي زعم أن "الله نجّى ولي العهد من قضية خاشقجي بسبب سر بينه وبين الله، وهذا السر هو أنه كانت تصلني أموال من الأمير محمد بن سلمان فأصرفها على الفقراء، وأن النساء والأطفال والكهول في مسجد رسول الله وهؤلاء يدعون له في الثلث الأخير من الليل"، حد قول المغامسي.

كذلك عائض القرني "المعروف بتغريداته بأبيات شعرية غزلية لابن سلمان" والذي وقع في فخ "التطبيل والسرقة" في آن واحد بعدما اتضح أن بعض الأبيات التطبيلية التي ينشرها مسروقة من كُتّاب آخرين. وعادل الكلباني الذي سبق وافتخر بأنه "من المطبلين لولاة الأمر" في مقال له بجريدة الرياض، وشبَّه الحلف تحت راية أمريكا بـ"القيادة المحمدية لإنقاذ العالم من الضلال إلى النور".

وسبق لكبير الجامية "عبدالعزيز الريس" أن أصدر فتوى في أغسطس 2018 أثارت جدلاً واسعاً، قال فيها إنه حتى لو قام الحاكم بالزنا لمدة نصف ساعة على التلفاز وشرب الخمر، فإنه لا يجوز الخروج عليه أو انتقاده علناً والتحريض عليه، وقال إن لو أراد أحد نصح ولي الأمر فلا يذكره بالاسم لا تصريحاً ولا تعريضاً، حد قوله.

فهرس التطبيع4 الريس والكلباني

كما اشتهر بتطبيله "عبدالرحمن السديس"، الرئيس العام لشؤون المسجد الحرام والمسجد النبوي وإمام الحرم، الذي زعم أن الملك سلمان لا ينام كل ليلة قبل الاطمئنان على المسجد الحرام والمسجد النبوي، وهو نفسه أيضاً الذي وصف أمريكا بأنها داعية وقطب من أقطاب السلام، ودعا للرئيس الأمريكي دونالد ترامب، وشكَّل في أكتوبر 2017 لجنةً عليا لرصد ومعالجة الأفكار المتطرفة وتفنيد الشبهات الفكرية، غرضها فصل أي موظف يُشتبه به كمخالف للنظام.

ومن كل ما سبق يتضح أن "أشكال التطبيل في السعودية قد لا يكون لها نظير في العالم، حيث يجري حالياً على أوسع نطاق ممارسة التطبيل اليومي عبر الحملات الإعلامية والدروس اليومية وتكثيف المحاضرات وتوظيف عدد كبير من الأسماء الوهمية في مواقع التواصل الاجتماعي من أجل ترسيخ صورة الدولة الأبوية الحانية على الشعب، إضافة إلى شيطنة الفئة المتمردة على ولي النعمة والمتفضل عليها بالإحسان، والتي تسمى الإصلاحيين والحقوقيين[3]".

وبالعودة بالزمن قليلاً يتضح أن "التطبيل" ليس حالة لحظية قُرنت بعهد الملك سلمان وولده، بل إنها ظاهرة ممتدة على مرَّ العهود.

ويُذكر أن "عدم التسامح" الذي تحلَّى به النظام السعودي مع كل معارضٍ لها ومحتجٍّ خلال العام 2011، قد دفع بالنظام وأعوانه إلى الانتقام والإفتاء بضرورة "إبادة" المتظاهرين السلميين، ومن الفتاوى الشهيرة فتوى الشيخ "صالح السدلان" بجواز إبادة المتظاهرين إبادةً جماعية، وقد أجازت تلك الفتوى للنظام القمع والقتل والسحل بحق المتظاهرين، وكذلك فتوى الشيخ "سعد البريك" بجواز سحق الجماجم، وفتوى الشيخ "صالح الفوزان" بقمع المتظاهرين.

ورغم وضوح معنى "التطبيل" وفقاً لما تقوله التقارير والمعاجم اللغوية على نحو "زمَّر له وطبَّل: أي تملَّقَهُ وتقرَّب منه"، إلا أن جريدة الرياض الناطقة باسم النظام تستغرب من وصف مطبّلي النظام بـ"المطبّلين" و"الجامية".

فالجريدة ترى أن البعض من "الأعداء" كما تصفهم، قد اتَّبعوا طرقاً عدة "في الصد عن الوطن" من خلال "خطابهم الثقافي والإعلامي، ومن أهمها التهمة بالتطبيل، فأصبح كل من يثني على ولاة أمره وإنجازاتهم، وإنجازات الوطن يوصف بـ"المطبل"، وهذا بلا شك يعتبر إحدى طرق ضرب الانتماء الوطني القائم في الأساس على الاعتزاز بإنجازات الوطن وعطاءاته. ثم هناك الوصف بالجامية (...)، فقد جاءت صفة "جامي" وبنغمة "عنصرية" لتطلَق على أي شخص يتبنى وجهة نظر وطنه ويدافع عن وطنه وولاة أمره"، بحسب الصحيفة.

ورؤية الصحيفة هذه تتجاهل أن التطبيل كلمة يتداولها الناشطون الإصلاحيون والحقوقيون، في السعودية وغيرها كمصر، وتعني: قلب الحقائق والتورُّط في التدليس والكذب المتعمد، وتصوير الواقع على غير حقيقته، لأجل الدفاع عن السلطة والتبرير لسلوكياتها الخاطئة.

وبتعبير آخر هو: مجاراة الحكومة في سياساتها ضد العدل وانتهاك الحقوق، وتبرئتها من الفساد، أو تحميل الخطأ على الحاشية فقط، وتبرئة المسؤول، والدعاية المستمرة لسياستها في مواقفها الداخلية والخارجية حتى ولو كانت متناقضة ومرتبكة، دون اعتراض أو مساءلة، مع مهاجمة كل من ينتقد تلك السياسات، وقد يصل إلى تحريض السلطة الأمنية ضده، وإلباسه بدعم الإرهاب أو الخيانة الوطنية، أو التحالف معها ضد تيار؛ ممّا يستلزم تقديم طقوس التطبيل لكل سياساتها وأعمالها.

وبعبارة دينية: تقديم حكام الدولة في أرفع مقام، وتنزيههم عن الخطأ المقصود، ونسبة القبح والفساد إمّا للأقدار أو للمحكومين، وجعل معارضتهم أو نقدهم معصية وخطيئة دينية، يوصف صاحبها بالضلال والانحراف، وربما الزندقة والكفر[4].

لقد سار ابن سلمان على خطى أبيه الذي شُغِف بـ"الثقافة والقراءة والتعرف على أشهر الكُتّاب والمثقفين ومن ثم احتوائهم"، كما يقول السبعاني في كتابه، وكذلك "استقطاب بعض المرتزقة ممن يخشى آل سعود من أقلامهم أو سلاطة لسانهم، فيتم إخراسهم مقابل بضعة دولارات، تطبيقاً لمقولته المشهورة: كلب ينبح لك ولا كلب ينبح عليك"، وفقاً للسبعاني.

 

 

هل يبني التطبيل وطناً؟ وهل ينفع الملك وولي عهده؟

تقول الكاتبة المصرية نوارة نجم إن "الإنسان بطبعه يحب سماع الإطراء والمديح، يحب أن يرى صورته في أعين الناس جميلة، وقد يسعده أن يسمع البعض وهو يضفي عليه صفات قد تكون فيه أو لا تكون[5]". ويمكن إسقاط هذا التعبير على شخصَي الملك سلمان وولده ولي العهد محمد بن سلمان وطريقة سلطتهم، واستنتاج أنهما أحاطا نفسيهما بعدد كبير من المطبّلين التجميليين، ثم انجرّا إلى تصديقهم.

وكي يرسّخ الملك وولده هذا الشعور، تندفع وسائل الإعلام السعودية وجيش الذباب إلى تبنّي المواقف التي تجعل منهما بطلين كما يتضح من ترسيخ لقب "سلمان الحزم" في أذهان السعوديين، وتدشين هاشتاغات بشكل دوري تعكس أن السعوديين متعلقون بحكامهم على نحو هاشتاغ #غرد_بحبك_لمحمد_بن_سلمان و#كلنا_ثقة_في_محمد_بن_سلمان، و#رسالة_حب_لمحمد_بن_سلمان وغيرها من الهاشتاغات التي يطلقها الذباب الإلكتروني عبر "قسم خاصٍ بالحملات الدعائية لابن سلمان ومشاريعه[6]".

وعلى سبيل المغالاة في تلميع الملك سلمان منذ أول يوم تولَّى فيه الحكم في 23 يناير 2015، ظهر عبداللطيف الشيخ في برنامج "ياهلا" على قناة "روتانا خليجية"، يدَّعي أن الملك الجديد "كان يقترض المال من أجل مساعدة الفقراء وأعرف أن عليه ديوناً كثيرة لهذا السبب"، حد قول عبداللطيف الشيخ الذي كان حينذاك رئيساً لهيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وأُقيل بعدها بخمسة أيام، في 29 يناير 2015.

فهرس التطبيع 5 الملك وولده

كل مظاهر التطبيل لم تعد بالنفع على الملك وولده، إذ انهارت الصورة الملمَّعة إثر قضايا دولية مُلحّة أبرزها قتل الأطفال في اليمن واعتقال معتقلي الرأي من كلا الجنسين، وإحداث أزمات اقتصادية سعودية حادة، واغتيال خاشقجي بطريقة بشعة داخل القنصلية السعودية بإسطنبول، ومن ثم بيع التخلّي عن أبرز رجال ابن سلمان الذين نفّذوا عملية الاغتيال وترْكهم يواجهون مصير السجن والموت وحدهم بعد إلقاء التهمة عليهم كمحاولةٍ لتبرئة ابن سلمان، ما أثار سخطاً في أوساط موالين له وفقاً للتقارير، ذلك فضلاً عن أن التطبيل أيضاً ليس ذا مفعول قوي مع وجود أطياف وتيارات واسعة ومختلفة من المعارضة السعودية في الخارج، تقوم بدورٍ مضادٍ للتطبيل والمطبّلين، والهجوم على النظام في شتى وسائل الإعلام ومواقع التواصل الاجتماعي.

ويعترف الصحفي السعودي حسين الغاوي من واشنطن بعدم جدوى الحراك الإعلامي السعودي وعدم القدرة على التصدي للحملات الإعلامية التي تتعرض لها السعودية، ويقول في تغريدة نشرها في سبتمبر 2018: "طفح الكيل من حالة جمود إعلامنا السعودي الخارجي، ولابد من الاعتراف أن التراث السياسي للحالة الإعلامية في السعودية مشوش ومشوه، لا استراتيجية واضحة لمواجهة الحملات الإعلامية المكثفة على السعودية، ولا توجد قوة ناعمة توازي القوة الملموسة للسعودية".

"والحقيقة أن النظام- أي نظام حاكم يحتاج بشدة إلى المعارضة، يحتاج إلى من يشير إلى أخطائه ويطلب منه التصويب"، كما تقول الكاتبة نوارة نجم، وتضيف: "المداحون هم أسوأ بطانة يمكن أن يتخذها الحاكم، وهم من ذلك يدفعون بالنظام إلى الهاوية".

__________

الهوامش: