تجاوز إلى المحتوى الرئيسي

هل كل شيء تحت السيطرة؟ 6 مخاوف لابن سلمان

image
نُشِر
2019/01/22 2:26 م
تحديث
2019/01/22 3:32 م
تغيير حجم الخط

 صحيفة التمكين - تحليلات

 

 

حُرَّاس خاصُّون، شبكة أمنية واسعة، واحتياطات مربكة تجعله يجلب خبراء حراسة من الخارج لحمايته.

كلها ظروف جعلت ولي العهد الأمير محمد بن سلمان متَّهماً بـ"الخوف" قبل أن يُتَّهم بالقتل والنهب والطغيان. الخوف ليس فقط من المستقبل، بل من الحاضر أيضاً، بطريقة أفقدت الحاكم الفعلي هيبة السعودية التي تروِّج لها وسائل إعلام النظام على طريقة: عطسة واحدة من نظام المملكة كفيلة بإصابة العالم بالتهاب رئوي.

 

الخوف من الانقلاب

شدد محمد بن سلمان قبضته على الأجهزة الأمنية في السعودية من منطلق دوره كوزير للدفاع، قبل أن يتولَّى منصب ولي العهد، وقد عملت هذه المؤسسات إلى حد كبير كإقطاعيات منفصلة يرأسها أفراد الأسرة الحاكمة، إضافةً إلى الحفاظ على حصصهم الفردية في النظام، وهم الذين سمح لهم النظام بالحصول على ثروات كبيرة من عقود البناء والتوريد، وفق تقرير لموقع ميدل إيست آي البريطاني نُشر في أكتوبر/ تشرين الأول 2018.

وفي منتصف عام 2017، جرى الانقلاب والإطاحة بمحمد بن نايف من منصب ولي العهد، وتلقَّى اتهامات بالتخلص من الحرس القديم لابن نايف، وتم دمج كل وكالات عمليات مكافحة الإرهاب والاستخبارات المحلية تحت هيئة جديدة وحيدة أُطلق عليها اسم "رئاسة أمن الدولة"، والتي أصبحت تقدم التقارير أولاً بأول إلى محمد بن سلمان، ولي العهد الجديد.

والتغيير المفاجئ والجذري في الأجهزة الأمنية "كان دليلاً على وجود معارضة لتولي ابن سلمان المنصب، واعتُبر تعيينُ الفريق أول عبدالعزيز الهويريني رئيساً لجهاز رئاسة أمن الدولة، على أنه محاولة لبناء مزيدٍ من الدعم لصالح ابن سلمان. وكان هدف تعيين الهويريني أيضاً تهدئة مخاوف الغرب من أن تغيّر المملكة موقفها في الحرب ضد الإرهاب(1)".

في ذلك الوقت "فاز ابن سلمان في صراعه مع ابن عمه محمد بن نايف" حد تعبير الصحفي القتيل جمال خاشقجي في إحدى مقالاته لدى موقع ميدل إيست آي. واستطاع ابن سلمان إزاحة جميع منافسيه الرئيسيين من الساحة التي خلت له، لكن تلك الخطوة الانقلابية باتت هاجس ولي العهد الشاب منذ ذلك الوقت وحتى الآن، وسيطرت عليه المخاوف من أي محاولات انقلاب من الممكن أن تقوم ضده، خاصةً مع وجود أعداء له في صفوف الأسرة الحاكمة ومن هيئة البيعة أيضاً، لم يقبلوا بصعوده ولياً للعهد ورفضوا مبايعته، إذ وافق على مبايعته 28 من أصل 32 عضواً في الهيئة.

مم يخاف بن نايف وبن سلمان

قام ابن سلمان باعتقال عشرات الأمراء ورجال الأعمال والمسؤولين البارزين في فندق "ريتز كارلتون"، خلال حملة زُعم أنها تطهيرية للفساد، خلال نوفمبر/ تشرين الثاني 2017، وكان يبدو أنه "على عجلة من أمره بتلك الإجراءات التاريخية في فترةٍ تشهد عدم استقرار خطيراً في الشرق الأوسط، استعداداً منه لاتخاذ أي خطوة ضد كل الشخصيات من أجل تنفيذ صلاحياته وتوطيد سلطته(2)".

وفي تلك الأثناء حاوره الكاتب الأمريكي توماس فريدمان لصحيفة "نيويورك تايمز" الأمريكية، وبرَّر ابن سلمان خلال الحوار أنه "على عجلة من أمره" لأنه يخشى أن يموت قبل أن يحقق أهدافه ورغبته في الحكم.

وبالإضافة لحملة الاعتقالات تلك، قام ابن سلمان بإصدار نظام عقوبات جديد يتضمن السجن المؤبَّد لكل من يحاول حمل السلاح واقتناء المتفجرات والقيام بأعمال إرهابية، وتحدَّثت الصحف حينها عن أن نظام العقوبات الجديد جاء لردع أي محاولة يقوم بها خصوم ابن سلمان للانقلاب عليه.

والذين نفَّذوا حملة الاعتقالات هم مجموعة من مرتزقة شركة "بلاك ووتر" الأمريكية الذين استعان ابن سلمان بهم لحمايته شخصياً، وهم متعددو الجنسيات من نفس الشركة التي استعان بها ولي عهد أبوظبي محمد بن زايد، لبناء جيش خاص لإنشاء قاعدة خاصة داخل الإمارات تتولى حماية البلاد ومرافقها وأنابيبها النفطية مقابل 500 مليون دولار.

 

 

الخوف من الحرس الوطني.. أبناء القبائل

وازدادت مخاوف ابن سلمان لإدراكه أن "الاستقرار لن يعود بسهولة إلى السعودية بعد تلك الحملة، وأنه مهما كانت قوته وسلطاته فإن المخاطر تبقى كبيرة(3)"، وفتح جبهةً ضد "الحرس الوطني" الذي أقال رئيسَه الأمير متعب بن عبدالله بن عبدالعزيز واعتقله ضمن الأمراء المعتقلين، وعيَّن مكانه الشمَّري خالد بن عبدالعزيز بن محمد بن عياف المقرن.

وكان ابن سلمان قد فتح تلك الجبهة لإدراكه بوجود معارضة لتولّيه منصب ولي العهد، داخل الحرس القديم لقوات الأمن وداخل الحرس الوطني المكوَّن من أبناء القبائل، نظراً لأن "الحرس الوطني يُشكّل تهديداً حقيقياً على محمد بن سلمان إذا استغلته المعارضة، خاصةً في ظل إخلاص الحرس الشديد لحاشية الملك السابق عبدالله(4)"، إذ بقي الحرس الوطني ساحةَ نفوذ خاصة بالملك عبدالله لنحو 50 عاماً.

وإمعاناً في الصراع مع الحرس الوطني وتخوُّفاً من أي خطوة من قِبلهم ضده، قام ابن سلمان ومن فوقه الملك سلمان، بتعيين وزيرٍ شاب للحرس الوطني وصفته التقارير بـ"عديم الخبرة" هو الأمير عبدالله بن بندر بن عبدالعزيز، ضمن حزمة أوامر ملكية صدرت في 27 ديسمبر/ كانون الأول 2018، أُعيد بموجبها تشكيل مجلس الوزراء.

وأصدر معهد بروكينغز الأمريكي للأبحاث، تقريراً نهاية عام 2018، قال فيه إن تعيين الشاب عبدالله بن بندر يؤكد أن الحكومة السعودية تميل إلى تعيين من تثق بهم وتضمن ولاءهم وليس ذوي الخبرة، ووصف المعهد الوزير الجديد بأنه "نسخة طبق الأصل من ابن سلمان"، وقال إن التغييرات المتتالية خلال عام في مؤسسة الحرس الوطني دليل على عدم الاستقرار وتثير تساؤلات بشأن قدرة هذه المؤسسة على حماية الدولة من خصوم الداخل وأعداء الخارج.

 

الخوف من السعوديين

كل ذلك وأكثر بكثير أربك محمد بن سلمان طويلاً، فبات لا يثق حتى بحرسه الخاص من السعوديين فعمد إلى استقدام أجانب لحمايته على طريقة محمد بن زايد، حيث استعان ابن سلمان بـ1000 باكستاني من أجل الحماية الشخصية، عندها قالت وزارة الدفاع الباكستانية- في فبراير/ شباط 2018- إن هؤلاء قَدِموا إلى السعودية من أجل التدريب والاستشارات العسكرية، لكن موقع ميدل إيست آي علَّق على الأمر بأن "السعوديين لا يمكنهم الوثوق برجالهم، لذا فهم يستدعون الباكستانيين"، وأكد للموقع السياسي الأمريكي "بروس ريدل" أن الباكستانيين سيُستخدمون كقوة حراسة خاصة بمحمد بن سلمان.

وقال بروس ريدل، وهو محلل سابق لدى وكالة الاستخبارات الأمريكية CIA، ومدير مشروع الاستخبارات بمعهد بروكينغز الأمريكي، إن تلك الوحدة العسكرية ستكون موالية لابن سلمان في حال تحرَّك أعداؤه للإطاحة به أو محاولة قتله، بحكم أن ابن سلمان صنع لنفسه أعداء كُثُر خلال ثلاث سنوات منهم أفراد في الأسرة الحاكمة، حسب ريدل.

 

 

الخوف من والدته

مخاوف ابن سلمان تصاعدت ليس فحسب من السعوديين ومن أفراد الأسرة الحاكمة، بل أيضاً من "والدته" شخصياً "فهدة بنت فلاح آل حثلين"، فقام باحتجازها في قصر الأمير سلطان الأشبه بالسجن في أبها، لكونها مخالِفة لسياساته، ومن شأنها التأثير على والده الملك.

لم يعرف الملك سبب غياب زوجته فهدة لعامين كاملين، فتحجَّج ولده بأنها تتلقى العلاج في الولايات المتحدة، إلا أن المخابرات الأمريكية في عهد الرئيس السابق باراك أوباما، اكتشفت أن ابن سلمان يخفي والدته ويزعم وجودها في أمريكا، وقد صرَّح 14 مسؤولاً أمريكياً بأن المخابرات لديها معلومات أكيدة بأن ابن سلمان أخفى والدته، حسب تقريرٍ مطوَّل لشبكة إن بي سي الأمريكية، نُشر في مارس/ آذار 2018.

ومؤخراً، شاعت أنباء عن أن ابن سلمان يحتجز شقيقه بندر بن سلمان (الابن الثاني عشر للملك سلمان) مع والدتهما فهدة في قصر أبها، وفق ما كشفه الحساب الشهير "العهد الجديد" يوم الأربعاء 16 يناير/ كانون الثاني 2019، دون ذكر تفاصيل أخرى.

شبح خاشقجي: أكبر المخاوف

ولم يُفلت محمد بن سلمان من مكيدةٍ إلا وعانى من أخرى، لكن المكيدة الأخيرة التي وقع فيها كانت من تدبيره وفق تقييم وكالة المخابرات الأمريكية، وهي جريمة القتل الشهيرة بحق الصحفي جمال خاشقجي، التي تورَّط في تنفيذها 7 أشخاص من الحرس الشخصي لابن سلمان، من أصل 15 شخصاً سعودياً نفذوا عملية الاغتيال داخل القنصلية السعودية بإسطنبول في 2 أكتوبر/ تشرين الأول 2018.

وبتلك الواقعة، أصبح الحرس الخاص بمحمد بن سلمان سبباً في اتهامه باغتيال خاشقجي، بدلاً من أن يكونوا دروعاً بشرية تحميه كما هو مفترض، وحول ذلك يقول موقع ميدل إيست آي إن تورط هؤلاء السبعة- الذين هم من العناصر رفيعة المستوى في فريق الحماية الشخصية لابن سلمان وسافروا معه في زيارات بارزة بانتظام- سيعقِّد الجهود المبذولة لإبعاد ابن سلمان عن الشبهة، وسيكون تأكيداً على تورُّطه وأمره بتنفيذ الجريمة.

مم يخاف بن سلمان خاشقجي

تضاعف خوف ابن سلمان إلى الدرجة القصوى وسط غضب عالمي ومطالباتٍ أمريكية ودولية مستمرة بإزاحته من منصب ولي العهد ومساءلته مع كافة المتورطين، الأمر الذي وضعه في "مأزق كبير" كما تقول المعارضة الأكاديمية مضاوي الرشيد في إحدى مقالاتها بالموقع البريطاني، ولن يكون والده الملك شخصياً قادراً على حمايته للأبد.

أخيراً: الخوف من وفاة الملك

ولا يزال خوف ابن سلمان قائماً من "ما بعد وفاة أبيه الملك"، إذ من المتوقع أن تنقلب الأحداث وتؤول بعكس طموحات الأمير الشاب وسط أجواء مشحونة بالغل من قِبل عمومته وأبنائهم وأفراد الأسرة الحاكمة، وقد سبق لوكالة رويترز في نوفمبر/ تشرين الثاني 2018، أن أكدت- وفق ثلاثة مصادر مقرَّبة من الديوان الملكي- وجودَ حراك جاد داخل الأسرة لمنع ابن سلمان من تولّي الحكم بعد وفاة والده الملك سلمان.

ولا يزال ابن سلمان بحاجة إلى والده الملك (83 عاماً)، "لأنه يعتمد عليه في مجال الشرعية والمصداقية. وسلمان لديه الشرعية، وهو ليس ميتاً دماغياً أو عاجزاً، بل هو مشارك في الأمور المهمة أكثر مما تشير إليه التقارير الإعلامية الغربية، ومَنَح ابنه (غطاءً جوياً) كما قال أحد المسؤولين البارزين، فلو عاش لعقد آخر فستحدث تغيرات كثيرة، لكن لو مات فإن الرهانات كلها ستنتهي(5)".

__________

الهوامش:

.