تجاوز إلى المحتوى الرئيسي

مازال المسرح السعودي ينتظر المُنقذ

image
نُشِر
2018/07/17 7:25 م
تحديث
2018/07/17 7:26 م
تغيير حجم الخط

صحيفة التمكين - ثقافة

لا يجد المسرح في المملكة السعودية مساحة واسعة من الاهتمام الذي يليق بكونه أبو الفنون. قد تكون المشكلة مجتمعية أو أزمة نص، أو بتسلط التحريم الديني في ظل غياب الوعي بأهمية الفنون في بناء المجتمعات والشعوب ومعالجة قضايا المجتمع التي تفتقر إلى ترجمة فنية إبداعية ليراها المجتمع بنظرة أخرى.

الحركة المسرحية في السعودية

في السياق التاريخي التوثيقي، بدأت ما يمكن اليوم تسميتها- مجازاً- الحركة المسرحية السعودية مع تأسيس المملكة، من خلال تقديم مسرحيات تاريخية ودينية، تعتمد في نصوصها على الكتب المدرسية مثل مسرحيات "صلاح الدين" و"عبد الرحمن الداخل"، و"القناعة"، و"عاقبة الطمع"، وهي المرحلة الأولى التي امتدت حتى عام 1373هـ.

المسرح السعودي مرَّ بمرحلة أخرى منذ عام 1384هـ، وحتى 1391هـ، وهي الفترة التي شهدت مسرحيات للكبار والصغار وكانت تركز على الدروس الاجتماعية ذات التراكيب الدرامية الترويحية مثل مسرحيات "الغواص"، و"لك يوم يا ظالم"، و"حرام حرام"، وكانت تقدم عن طريق المدارس والأندية، وتمتاز هذه الفترة ببروز مسرحيات من تأليف الكتاب السعوديين.

أما المرحلة الثالثة، فامتدّت منذ عام 1392هـ، وحتى اليوم. بدأت باحتفالات الأندية الرياضية والمدارس على مستوى مناطق المملكة، واختيار المسرحيات الناجحة ودمج بعضها للدخول في مسابقات الفنون المسرحية، وتميزت بتركيز شديد من الأندية والمدارس على مسرح الطفل والشباب، وقد برز كُتّاب كُثُر في تلك الفترة، مثل عبدالله حسن ومحمد الحمد وإبراهيم خميس وعبدالرحمن المريخي ومحمد رجب وناصر المبارك وعلي المصطفى وآخرون. 

ظّلت المدارس والأندية تمثل الانطلاقة الأولى للمسرح، واعتبر التمثيل وبعده الفنون الإبداعية المتعلقة به كالتأليف والإخراج، إحدى أدوات الأنشطة الطلابية أو أنشطة الفرق الفنية التابعة للأندية، ولم تكن هذه التجارب واهنة دائماً، فقد برزت عدة مسرحيات منها "سبع صنايع والبخت ضايع"، و"البحث عن الكنز" وهما لعبدالله حسن، و"ليلة النافلة"، و"قرية اسمها السلام" لعبدالرحمن المريخي.

وفي عام 1400هـ، برزت الجمعية العربية للثقافة والفنون، وعرضت مسرحية "بيت من ليف" لناصر المبارك، و"الحل المفقود" لعبدالرحمن المريخي، في المنطقة الشرقية، ومسرحية "كان هنا بيتنا" لمحمد خضر، و"حضارة الإسلام" لمحمد سليمان الشايقي، و"من يكمل الثاني" لمحمد عريف في المنطقة الغربية.

إشكالية المسرح السعودي

من يتتبع الحركة المسرحية في المملكة السعودية، يجد أنها بدأت متأخرة عن الدول العربية التي سبقتها في هذا المجال بمراحل، ومع استمرار المسرح السعودي إلى اليوم من خلال ما تقدمه جمعيات الثقافة والفنون وغيرها من المؤسسات الفنية والمهرجانات، ومع هذا الحراك البطيء نسبياً، بقيت هناك إشكالات في المسرح السعودي كغياب المرأة، ورفض فكرة المسرح من قِبل بعض التيارات، بالإضافة إلى أزمة النص المسرحي وغياب النقد المسرحي.

أهم إشكاليات المسرح السعودي، هي الإشكالية الثقافية. يعتقد الدكتور معجب الزهراني، أن المسرح السعودي "يعاني من إشكالية التمييز بين ثقافتين: ثقافة الداخل وثقافة الساحل"، معتبراً أن "التنوع الثقافي الذي تحفل به المملكة من حيث اختلاف العادات والتقاليد والأعراف من شأنه أن يثري أي تجربة مسرحية متعددة، لكن هذا الجانب لم يستثمر، لعدم وجود جهاز مسرحي فاعل ومتحرر وقادر على استثمار الموروث الشعبي لتحويله إلى فن مسرحي".

في عدد من أعداد صحيفة الوطن أون لاين، قسَّم المسرحي جبران الجبران نظرة المجتمع السعودي عن المسرح إلى نظرتي تحريم وتجريم، فمن يحرمون المسرح جملة وتفصيلاً لا يسمحون بالنقاش حوله، أما المجرّمون فيرونه خروجاً على العادات والتقاليد، وكل ذلك له مسوّغات وتبريرات منها عُرفية ومنها ما هو متوارث لدى أصحاب تلك النظرة.

وخلال بحث قام به عن المسرح، ذكر الجبران أن الأزمة الاجتماعية وغياب الوعي يكمنان في اعتبار المسرح مدينةَ ملاهٍ ومكاناً للضحك، مستدركاً: "الضحك مطلوب ضمن منظومة العمل الجيد، إلا أن أصحاب هذه النظرة يرون الممثل مهرج دمية تتحرك ضمن مجال استفزاز الضحكة والكاتب صانع نكت، والمخرج صانع ألوان مضاءة ليس إلا، وهذه النظرة أخطر وأمرّ من النظرة الأولى، لأنها تصب في مجال التهميش والتقليل من هذا الفن وإثبات عدم جدواه".

وأضاف أن المسرح السعودي، بشكل عام، يعاني من عدم المشروعية سواء الرسمية أو الشعبية. "فعلى الصعيد الرسمي، لا يوجد دعم علمي ولا فني ولا بنية تحتية، ولا يوجد مدربون متفرغون، ولا نظام مكتوب متعارف عليه، فمسرحنا ليس له مشروعية اجتماعية ولا توجد مهن بتخصصات المسرح سواء بالخدمة المدنية أو بوزارة العمل، إذ إن المسرح في السعودية هو بيد أشخاص ويرتبط بوجودهم في أغلب القطاعات الحكومية سواء الجامعات أو غيرها"، وفقاً للجبران.

المخرج المسرحي صبحي يوسف، أكد في تصريح له نشرته صحيفة مكة، أن أزمة المسرح السعودي تكمن في امتلاء الساحة بالتنظير العشوائي، وغياب التدريب، وعدم إنشاء معهد مختص، على الرغم من مرور أكثر من عشرين عاماً على اقتحام المجال، وتنظيم أول مهرجان مسرحي سعودي.

وقال يوسف إن المسرح السعودي مكبَّل بالمعوقات التي حدّت من تميزه، وإنه كان يتوقع أن يحتل المسرح مكانة أكبر بكثير مما هو عليه، متخيلاً أن المجال متسع للمبدع المسرحي، نظراً لعدم وجود سينما.

وفي نظر يوسف، ثمة مجموعة من المعوقات، تبدأ بعدم وجود معهد للمسرح، أو قسم متخصص في الجامعات، أو حتى دورات تعليمية بمعناها الحقيقي. وكما يرى، فإن الممثل ما زال العنصر الأضعف في المشهد المسرحي السعودي، متمنياً أن يكون هناك قطاع متخصص للمسرح بوزارة الثقافة، ومبدياً استعداده للجلوس مع أي مسؤول ليضع بين يديه فكرة متكاملة عن إنشاء فرقة مسرحية وطنية رسمية.

المسرح التجريبي السعودي

لم يعرف السعوديون المسرح التجريبي قبل عام 1989م، وهو العام الذي مثلت فيه المملكة مسرحية "عويس التاسع عشر" من تأليف راشد الشمراني وإخراج عامر الحمود، في مهرجان القاهرة للمسرح التجريبي في دورته الثانية.

منذ ذلك الوقت، أصبح هذا النوع غايةً للمسرحيين السعوديين الذين يبحثون عن المشاركات الخارجية في المهرجانات المسرحية التي طبعت على الأغلب بهذا الشكل المسرحي الجديد.

المرأة والمسرح السعودي

بعد غيابها عن خشبة المسرح، منذ أن تأسس المسرح في البلاد، اعتلت المرأة السعودية يومي 9 و10 من شهر فبراير/ شباط الماضي، لأول مرة خشبة المسرح كممثلة أمام الرجل في مسرحية "حياة الإمبراطور"، المقتبسة من قصة ديزني الشهيرة "كاسكو الأناني"، وستكون الفنانة المسرحية نجاة أول الصاعدين على مسرح يجمع الجنسين، فيما جاء الإعلان عن المسرحية من قِبل هيئة الترفيه التي قالت إنها تتناسب مع المسرح العائلي ومعايير المجتمع السعودي.

الخبر ترك تفاعلاً كبيراً، كان عنوانه الأبرز هاشتاغ #المرأة_على_المسرح_السعودي"، الذي وصل إلى قائمة الأعلى تداولاً في موقع تويتر، خلال فترة العرض في شهر فبراير/ شباط الماضي، فهل سيشهد المسرح في المملكة ولو تطوراً نسبياً يجعل له مساحة أكبر من اهتمام الدولة والجهات المعنية؟