تجاوز إلى المحتوى الرئيسي

كيف تراجع نفوذ بن سلمان.. وهل يستبدله العالم بقطر؟

image
نُشِر
2018/12/2 7:05 م
تحديث
2018/12/2 7:06 م
تغيير حجم الخط

صحيفة التمكين - محرر تحليلات

بعد ظهوره وحيداً ومنبوذاً من قِبل حكام الحلبة السياسية في المنطقة والعالم، صار مُلحَّاً التفكير في مدى التأثير الذي أحدثه تراجع نفوذ السعودية وولي العهد محمد بن سلمان، ومن سيكون البديل لهذا الأمير الشاب الذي خفت بريقه بعد أن اعتبره موالوه وإعلامه "قائد الشرق الأوسط القادم"؟ وهل من الممكن الافتراض بأن تكون قطر- أحد أعداء السعودية- هي البديل الأمثل؟

تتناول وسائل الإعلام الأمريكية والغربية شخص محمد بن سلمان على أنه دمَّر نفسه بنفسه. استطاعت أن تؤلب الرأي العام العالمي ضده، وتحرف البوصلة عن مسارها السابق، بعد أن كان مصلحاً يُشار إليه بالبنان الأمريكية. ويبدو الآن، بصورة رسمية، الأمل المتبقي لدى إسرائيل لجعلها دولة مقبولة في المنطقة، بعد أن فجَّر الرئيس الأمريكي دونالد ترامب حرصه على مصالح إسرائيل، في الشهر الماضي، بإبقاء العلاقات السعودية الأمريكية متينةً كما هي.

بهذا الشكل، عمل ابن سلمان مع حلفائه الأمريكيين والإسرائيليين والإمارات، على تلاشي القضية الفلسطينية، التي اعتُبرت على مدى عقودٍ القضية الأم في الوطن العربي والإسلامي، وأصبح ابن سلمان ضليعاً في إغلاق ملفها لصالح الاحتلال. وتعتقد صحيفة نيويوركر الأمريكية أن ابن سلمان، إلى جانب مرشده ولي عهد أبوظبي محمد بن زايد، هما الأمل الأفضل أمام إسرائيل، بعد أن أكَّدا لترامب أنهما ملتزمان بإنهاء القضية الفلسطينية وإقامة علاقات عميقة مع إسرائيل.

 

ذلك جعل السعودية تفقد بريقها في العالم الإسلامي، وتم اعتبار التطبيع أمراً لا ينبغي السكوت عليه طالما وهو صادر عن الأشخاص الذين يحكمون أرض الحرمين الشريفين، البلد الأكثر تأثيراً في المنطقة. وبالإضافة إلى الحرب على اليمن وقتل أطفالها ومدنييها، وسياساته الخاطئة داخل المملكة وخارجها وحادثة القتل الشهيرة بحق الصحفي جمال خاشقجي، كان التطبيع سبباً كافياً لخروج الشعوب العربية في مظاهرات احتجاجية ضد ابن سلمان في الآونة الأخيرة، لمجرد أنه اعتزم زيارة بلدانها لتبييض سمعته.

وعندما بدأ نفوذ ابن سلمان في التراجع، كانت إسرائيل الدولة التي أبدت قلقها جراء هذا التراجع. ولفتت صحيفة واشنطن بوست الأمريكية، إلى أن مصير ابن سلمان يحمل تداعيات على اتفاق السلام العربي الإسرائيلي الذي صاغته إدارة ترامب تحت مسمى "صفقة القرن"، وعلى جهود التعاون بين خصوم إيران. وذلك بدا جلياً أيضاً في تعليق رون ديمر، السفير الإسرائيلي لدى الولايات المتحدة، حيث قال إن "حادثة خاشقجي يجب ألا تمر هكذا دون رد، لكن بنفس الوقت علينا أن نحذر وألا نتخلى عن علاقة ذات قيمة استراتيجية"، وهو نفس ما قاله رئيس وزراء إسرائيل بنيامين نتنياهو.

تراجع نفوذ ابن سلمان أخيراً، وكل المؤشرات تحكم بذلك. من وكالة بلومبيرغ الأمريكية، رأى الكاتب بوبي غوش في مقال تحليلي نشرته الوكالة في الشهر الماضي، أن بقاء ابن سلمان لم يعد ضرورياً، ويمكن الاستغناء عنه، إذ لا يعتمد استقرار السعودية عليه. قدَّم غوش تلك الحقيقة باعتبار ابن سلمان يتسبب في عرقلة الجهود الرامية إلى احتواء إيران، من خلال حرب التحالف على اليمن بقيادة السعودية، وبسبب الحصار أيضاً على قطر.

 

أراد غوش أن يبرز فكرة أن ابن سلمان الذي شنَّ حرباً على اليمن وفرض حصاراً على قطر، تسبَّب في انقسام العالم العربي واستنزاف الموارد العسكرية والسياسية، ذلك فضلاً عن حادثة قتل خاشقجي التي أدت إلى تقويض الاستقرار الإقليمي، باعتراف وزير الدفاع الأمريكي جيمس ماتيس.

وبإلقاء نظرة على الأوضاع الداخلية للمملكة السعودية، تتضح تلك الحالة العامة التي يعاني منها الاقتصاد السعودي، وتلك الأزمة التي فرضت نفسها على السوق النفطية وعلى دخل المواطن وواقع الاستثمارات المتردي وهروب رؤوس الأموال من المملكة. كما تتضح الأوضاع القهرية الحقوقية التي زجَّت بالآلاف- رجالاً ونساءً وأطفالاً- في سجون النظام السعودي، ولا يتماشى سَجنهم مع أدنى المبادئ القانونية الدولية. كل ذلك يجعل ابن سلمان يتهاوى كما تقول الصحيفة الإسبانية "بوبليكو"، ويضع صورته في الخارج وسلطته المطلقة في السعودية "على المحك".

هذا التدني في مستوى لمعان ابن سلمان، كان حافزاً إضافياً للنظام التركي لكي يعيد ترتيب خارطة الشرق الأوسط بالطريقة التي تناسبه، وقلب المعادلة لصالحه، وهو المعروف بتحالفه مع إيران وروسيا وكذلك قطر، الأمر الذي أهَّل أنقرة لتكون أكثر عداء للغرب.

 

الخلاف الذي نشب بين تركيا والسعودية على خلفية قضية قتل خاشقجي، مكَّن من اعتبار قطر- حليف تركيا في صراعها مع دول الحصار وفي المصالح الاقتصادية أيضاً- بديلاً مفترضاً عن السعودية. ذلك بحكم أن تركيا "تعوّل على عملية إعادة رسم التحالفات لتحسين صورتها في العالم الإسلامي بوصفها دولة قائدة مستعدة للوقوف في وجه السعودية، التي أدت علاقتها الوثيقة مع إسرائيل وقيادتها للحرب الكارثية في اليمن إلى تلطيخ سمعتها"، بحسب مجلة "فورين أفيرز" الأمريكية.

وقد دخلت قطر في حسابات ابن سلمان شخصياً، كدولةٍ لها ثِقلها الاقتصادي باعترافه خلال مؤتمر الاستثمار العالمي "دافوس في الصحراء" الذي أُقيم في السعودية في أكتوبر/ تشرين الأول الماضي. حينها امتدح ابن سلمان اقتصاد قطر وقال إنه سيكون اقتصاداً مختلفاً خلال السنوات الخمس القادمة. وقد لفتت تصريحاته أنظار المتابعين إلى حد اعتقاد البعض بأنه غزلٌ جاء كمقدمة لإفشاء الرغبة في الصلح مع الدولة التي باتت خصماً منذ يونيو/ حزيران 2017.

استغلت قطر كل ما يمر به ابن سلمان، فحرَّكت قناة الجزيرة القطرية كل إمكانياتها من أجل إنصاف خاشقجي وشن حرب شعواء ضد ابن سلمان في هذا الموقف، ليصبح الحجر الواحد قادراً على ضرب عصفورين. ورغم كل ما تلقّته الجزيرة القطرية من هجوم عنيف من قِبل وسائل الإعلام الموالية للنظام السعودي، إلا أن الكثيرين من الإعلاميين والمحللين المحسوبين على النظام لم يمنعوا أنفسهم من الاعتراف بقوة هذه الآلة الإعلامية القطرية، متمنين بوجود آلة تماثلها في الملعب السعودي لكي يتمكن النظام من الدفاع عن نفسه بالشكل المطلوب.

 

ويعمل النظام التركي على فرض سلطة محدَثة على العالم الإسلامي، وبالتالي فهو لا يمانع أن يسطع حليفه القطري كبديل للهيبة السعودية المتهاوية. وقد تطرَّقت صحيفة "التمكين" من قبلُ إلى ذلك في حوار مطوَّل خاص مع المعارض السعودي البارز الدكتور محمد المسعري، رئيس حزب التجديد الإسلامي.

لا يشك المسعري في أن الأتراك استطاعوا الحصول على مكسب عند معالجة قضية خاشقجي من خلال التسريبات "أدلة الجريمة" وإجبار ترامب على رفع الحصار عن قطر.

"عندما ذهب خالد الفيصل، في منتصف شهر أكتوبر/ تشرين الأول، ليساوم أردوغان، قيل- وهذا غير مؤكد لكنه لا يُستبعد عن عقلية النظام السعودي- إنه عرض على تركيا مزايا كثيرة منها رفع الحصار عن قطر وإيقاف الحرب في اليمن، وإضافة إلى ذلك 100 مليار استثمارات فورية، لكن أردوغان رفضها ومن حقه أن يرفضها ليس فقط بدوافع إنسانية أو إسلامية، ولكن أيضاً لأنه لو رفضها سيربح أكثر من ذلك بكثير، فهو متى ما قضي على ابن سلمان ستنقطع الاستثمارات السعودية والعلاقة مع أمريكا ستنقطع والاستثمارات لم يتم التعاقد عليها وسيتم تحويل جزء كبير منها إلى تركيا، فتركيا ستستفيد لا محالة"، يقول المسعري.

 

كما أن رفع الحصار عن قطر، والحديث للمسعري، يعني أن تكون تركيا هي مكان الاستثمار الرئيسي لقطر. ويتابع: "الآن قطر تستثمر عشرات المليارات، ستزيد إلى مئات المليارات فالمكسب حاصل بالقضاء على محمد بن سلمان، بالإضافة إلى أنه لابد أن يدرك أردوغان، وأنا أظن أنه يدرك، أنه لا يمكن الثقة بآل سعود، أو الإمارات، ويجب العمل على القضاء عليهم، ولا يوجد طريقة أخرى مهما كان الثمن حتى لو أدى القضاء على محمد بن سلمان إلى القضاء على نظام آل سعود بأكمله ونشوء حالة من الفوضى، فهذا أصلح لتركيا وللمنطقة من بقاء محمد بن سلمان".

ومن ناحية عسكرية- وهي نفس الناحية التي يعمل عليها النظام السعودي- تتصف قطر بالمرونة والتركيز أكثر، وفق ما قالته اليوم الأحد صحيفة "وول ستريت جورنال" الأمريكية، إذ أكدت أن الحصار المفروض على قطر أدى بها إلى توسيع قدراتها الدفاعية، وأن قطر- رغم ما تمر به السعودية من أزمة دولية- ليست متحمسةً للتصالح معها، وهي تسعى اليوم من أجل تعزيز قدراتها الدفاعية.

وتمضي الصحيفة بقولها إن مبدأ تعزيز القوة الدفاعية العسكرية في قطر يقوم على تعميق العلاقات العسكرية مع الولايات المتحدة، وتوسيع قاعدة العديد الجوية "أكبر قاعدة أمريكية في الشرق الأوسط" التي تضم 8 آلاف جندي أمريكي.