تجاوز إلى المحتوى الرئيسي

في ذكرى وفاته.. لمحات من حياة غازي القصيبي

image
نُشِر
2018/08/16 8:21 م
تحديث
2018/08/16 8:21 م
تغيير حجم الخط

صحيفة التمكين - محرر ثقافة

في ذكرى وفاة الأديب الكبير غازي القصيبي، نتذكر الإنسان الذي جمع العلم والأدب والعمل الحكومي المسؤول، حيث تولى مناصب قيادية بالمملكة دون أن يفقد شيئاً من نبله وإنسانيته، فحظي بالنصيب الأكبر من التقدير، ليُفرد التاريخ له صفحاتٍ واسعة، على صعيد خدمة الوطن بما تولى من مناصب، أو خدمة الإنسانية بأدبه الزاخر والمتفرد.

ولد غازي عبدالرحمن القصيبي في 2 مارس/ آذار 1940 بمدينة الأحساء، وتوفي يوم 15 أغسطس/ آب 2010، عن عمر يناهز الـ70 عاماً في الرياض. وتلقى تعليمه بالمنامة في البحرين، ثم توجه إلى مصر وحصل هناك على ليسانس الحقوق من جامعة القاهرة، واتجه إلى الولايات المتحدة الأمريكية وحصل أيضاً على درجة الماجستير في العلاقات الدولية من جامعة جنوب كاليفورنيا، ثم درس بجامعة لندن العلاقات الدولية، فكان متميزاً بدراسته وطموحاً أيضاً للحصول على أعلى الشهادات الدراسية.

غازي القصيبي 1

 

 

حياته الأدبية ونتاجه الفكري

كانت لغازي ميول أدبية جادة، ترجمها عبر دواوين أشعار كثيرة، وروايات أكثر، وربما يعدّ بسببها أحد أشهر الأدباء في السعودية، ويظل رمزاً أو نموذجاً جيداً لدى الشباب منهم، وكالعادة، فالمبدعون لابد وأن تحاصرهم نظرات الشك، وتلقى إليهم التهم، لاسيما وأن متذوقي الأدب قلة، ومحبي حديث الوعاظ المتحمّسين غالبية، وابتدأت تلك المشاحنات من جانب الوعاظ مع إصداره لديوانه الشعري الثالث "معركة بلا راية" عام 1970.

إذ ساروا في وفود وعلى مدى أسابيع عدة، نحو الملك فيصل لمطالبته بمنع الديوان من التداول، وتأديب الشاعر، فأحال الملك فيصل الديوانَ لمستشاريه ليطلعوا عليه ويأتوه بالنتيجة، فكان أن رأى المستشارون أنه ديوان شعر عادي لا يختلف عن أي ديوان شعر عربي آخر.

إلا أن الضجة لم تتوقف حول الديوان، واستمرت الوفود بالتقادم للملك فيصل، فشكّل لجنة ضمّت وزير العدل ووزير المعارف ووزير الحج والأوقاف، لدراسة الديوان أو محاكمته بالأصح، وانتهت اللجنة إلى أنه ليس في الديوان ما يمس الدين أو الخلق، ولا تمر هذه الحادثة في ذهن القصيبي إلا ويتذكر موقف الملك عبدالله بن عبدالعزيز من هذه القضية، إذ يقول غازي: "سمعت من أحد المقربين إليه أنه اتخذ خلال الأزمة موقفاً نبيلاً وحث الملك فيصل على عدم الاستجابة إلى مطالب الغاضبين المتشنجة".

قدم القصيبي عدداً متنوعاً من الإصدارات الشعرية، تمثلت في: أشعار من جزائر اللؤلؤ، قطرات من ظمأ، في ذكرى نبيل، معركة بلا راية، أنت الرياض، قراءة في وجه لندن، عقد من الحجارة، الأشج، المجموعة الشعرية الكاملة، ورود على ضفائر سناء، قصائد مختارة، البراعم، حديقة الغروب، أبيات غزل، مرثية فارس سابق، وغيرها. واستطاع في حياته الأدبية أن ينجز 70 كتاباً خلال سبعين عاماً، ليُثري الميدان الثقافي بما لم يتمكن منه غيره وسط آلاف المتفرغين، لأنه كان قادراً على إدارة وقته.

أشعار من جزائر اللؤلؤ

على المستوى الروائي، يكاد يُجمع المهتمون بأن روايتي شقة الحرية والعصفورية، هما أهم وأفضل وأشهر ما كتب القصيبي، في حين احتفظ ديوان "معركة بلا راية" بمرتبته المتقدمة بين دواوين الشعر الأخرى، وفي المؤلفات الأخرى، يبقى "حياة في الإدارة" واحداً من الكتب التي حققت انتشاراً كبيراً رغم أن ثقافة القراءة كانت شبه معدومة حينها في المجتمع (نشر الكتاب عام 1998 وهو عام بائس في التاريخ السعودي انخفض فيه سعر برميل النفط إلى أقل من 10 دولارات).

وكتب القصيبي عن تجربته في السيرة الشعرية والحياة والرحلات، ومنها ما كتبه عن الأميرة ديانا زوجة ولي العهد البريطاني وطليقته، وعن أول زياراته لأميركا وعن لندن التي أقام فيها سفيراً ومواطناً عادياً، فيما كتب القصيبي في تجربته الروائية، أولى رواياته "شقة الحرية"، التي صدرت في عام 1994، وتحكي واقع الشباب العربي خلال الفترة "1948- 1967".

حيث يعيش أبطال الرواية في شقة في مدينة القاهرة، وسط أجواء فكرية وسياسية عاصفة بتوجهات فكرية مختلفة لكل منهم وتكون لهم بطولاتهم الخاصة مع تلك الأحداث. وكانت الرواية ممنوعة في السعودية حتى وقت قريب، كما كتب روايته "دنسكو"، بعد فشله في الفوز بمنصب مدير منظمة الأمم المتحدة للثقافة والعلوم "اليونسكو" في عام 1999، وتتناول قصصاً لعدة مرشحين للمنظمة من قارات مختلفة، حيث وعد القصيبي، أثناء ترشحه للمنصب بكتابة رواية إذا لم يفز، وهو الأمر الذي أوفى به.

شقة الحرية

روايته "سبعة"، التي صدرت في عام 2003، ترسم صورة ساخرة للواقع العربي، ممثلة في سبع شخصيات يختلفون في أفكارهم وأعمالهم ويتشابهون في الركض خلف سيدة واحدة تعمل مقدمة لبرنامج تلفزيوني، حيث يقعون ضحية لها في نهاية المطاف، كما رسم مشهداً ساخراً في روايته "العصفورية" الصادرة في عام 1996، تحدث فيها عن الواقع العربي، لكن هذه المرة على لسان بروفيسور يرقد في مشفى ويقص على طبيبه بطولات وحكايات ساخرة تخفي في طياتها هزلاً فكرياً بصيغة كوميدية، تقمص خلالها القصيبي شخصية البروفيسور ليشرح الواقع العربي على طريقة "خذوا الحكمة من أفواه المجانين.

 

العصفورية

وبلغت السخرية من الواقع العربي مداها في رواية "أبو شلاخ البرمائي" الصادرة في عام 2002، حيث يسخر القصيبي من الناس والزعماء في العالم العربي، الذين يدعون امتلاك القدرات الخارقة ومعرفة كل شيء، معرجاً في الرواية حول العالم في أزمنة مختلفة بقالب فكاهي ساخر، حيث يصبح العربي بطل الرواية، هو المستشار الأول للزعماء والسياسيين وصاحب القدرة على الاتصال بالجن، وهو من اخترع الهاتف ومد أنابيب النفط وغيرها من البطولات الوهمية.

 

أبو شلاخ البرمائي

وفي رواية "الجنية" الصادرة في عام 2006، نجدها أشبه ما تكون ببحث علمي عن الجن، ذيله القصيبي بعشرات المراجع، ورفض أن يطلق عليها مسمى رواية، مكتفياً بوصفها بالحكاية. إلا أنها في الوقت ذاته أنموذج معاصر لحكايات ألف ليلة وليلة، حيث يقع بطل الرواية "ض. ض. ض" في حب امرأة من الجن ويدخل معها إلى عالم الجن ليكتشف هذا العالم المجهول.

الجنية

يقول الكاتب علي محمد الفيروز عن القصيبي: رغم مسؤولياته الكبيرة إلا أن علاقاته مع الناس لا تنتهي خصوصاً مع البسطاء منهم، وهذا أعظم ما يفعله هذا الإنسان الخلوق، ولم يكن قاسياً مع الكُتاب الذين ينتقدون أداءه بل بالعكس، كان يعطي الكُتاب حقهم في النقد حتى إن كان قاسياً عليه، ومن إنسانيته الجميلة أن لديه الحس الإنساني الرقيق، فتراه يبكي من شدة تأثره على المساكين ولا ينزاح همه إلا إذا وجد لهم حلاً، فكان غالباً ما يكرر هذا البيت: "وإن سهرتْ مُقلة في الظلام... رأيت المروءة أن أسهرا".

 

غازي القصيبي 2

الوظائف التي شغلها

عمل غازي عبدالرحمن القصيبي في العديد من المناصب المتنوعة، كأستاذ مساعد في كلية التجارة بجامعة الملك سعود بالرياض، وعميد لكلية العلوم الإدارية بجامعة الملك سعود، ووزير للصناعة والكهرباء عام 1976، ثم شغل منصب سفير السعودية لدى بريطانيا عام 1992، ولاحقاً منصب وزير المياه والكهرباء عام 2003، ووزير العمل عام 2005.

غازي القصيبي 3