تجاوز إلى المحتوى الرئيسي

عبدالعزيز القناعي يكتب: الموت المستحق

image
نُشِر
2019/02/9 6:50 م
تحديث
2019/03/6 8:03 م
تغيير حجم الخط

 

"إنك لن تموت.. هذا الملك لن يموت"… هكذا كان الفرعون القديم يكتب على جدران معابده في إشارة إلى البعث والخلود الذي لم يتحقق أبداً.

بعد انتهاء الحربين العالميتين وفناء الملايين من الأرواح في سبيل الصراعات السياسية والعسكرية لتوسيع مناطق النفوذ وتحصين الممتلكات وحدود الدول والمستعمرات، لا يبدو أن موت الأبرياء قد توقف عند هذه اللحظة، ورغم أن من نتائج تلك الحربين ظهور الأمم المتحدة بشكلها الحديث وإنشاء العديد من المنظمات الدولية والاتفاقيات المتعلقة بحقوق الإنسان والأسرى والمرأة والأطفال، ونشوء الدساتير ومفاهيم الديمقراطية والحريات الفردية والمساواة، إلا أن الموت لا يزال يلحق البشر، ويبيدهم لأسباب غالباً لا يعلمونها، إما نتاج الحروب العبثية أو نتاج صفقات الأنظمة الفاسدة مع القوى الرجعية الدينية أو القوى الكبرى أو نتاج الإهمال السلطوي للشعوب التي تموت نتيجة للمرض والفقر والتشرد والجوع والألم.

والعامل المشترك في هذه القصص والمعارك وحركة التاريخ هو حقيقة الموت من أجل أن ينتصر الأفضل والأقوى. ولا تزال هذه الحقيقة ثابتة، رغم أنها غائبة عن المجال التداولي الفكري لصعوبة الإقرار أو الاعتراف بأن الموت، موت الشعوب الضعيفة والمتخلفة، هو أمر واقع ويدار بشكل علمي وسياسي وفلسفي. ففي كتاب العلمانية الجزئية والعلمانية الكاملة وفي المجلد الثاني، يتكلم المؤلف عبدالوهاب المسيري عن مبدأ المنفعة المادية الذي طبقه النازيون على البشر الموجودين داخل محيطهم الحيوي (الغجر، الأطفال، المعاقون، الكهول، الجنود الألمان المصابون في الحرب، اليهود، السلاف) ووجدوا أن هذه القطاعات البشرية غير نافعة "أفواه غير منتجة" حسب التعبير النازي، ولذا تم فرزها وانتقاء العناصر النافعة لتوظيفها، أما العناصر غير النافعة تماماً، فقد لقيت مصير الهنود الحمر. ويستمر في نفس الكتاب بذكر أمور غاية في الفظاعة حول مصير الملايين من الأبرياء وكيفية موتهم من أجل مبدأ المنفعة المادية.

 

ولا يختلف مبدأ المنفعة المادية عن وجوده في العمق الإسلامي والغزوات التي قام بها أجدادنا، فهي في الغالب لم تكن من أجل نشر الدين كما يدعي الكثيرون، وإنما في واقعها كانت الفرصة المناسبة لقوة دينية قد ظهرت بشكل جديد لكي تستولي على الشعوب الأضعف في محيط اقليمي بدأ يتآكل. ففي كتاب مرجعيات الإسلام السياسي لصاحبه عبدالمجيد الشرفي، يتحدث حول المجتمع الإسلامي الأول، حيث كانت القوانين التي سنت في عهد الخلفاء الأوائل قوانين تستند إلى نوع من البراجماتية والنفعية، ولم تكن في ذهن المعاصرين بحاجة إلى تبرير ديني في البداية، وهو أمر بديهي، تقريباً، ولذلك نلاحظ أن فتح العراق، مثلاً، ترتب عليه دخول أراض زراعية غنية شاسعة إلى دار الإسلام ورأى الخليفة عمر بن الخطاب ألا يسند هذه الأراضي للغزاة كما هو الشأن بالنسبة إلى ما كان معمولاً به في الفترة النبوية وفى الغزوات أو في عهد أبي بكر أو حتى في الغزوات الأولى في فترة خلافته، حيث كانت هذه الغنائم توزع على الغزاة وعندما ارتأى عمر ألا يوزع هذه الأراضي وأن يتركها للأجيال اللاحقة لم يكن في ذهنه أن العمل الذى يقوم به هو عمل مطابق أو غير مطابق للإسلام وإنما هو مثل إنشاء الدواوين، ديوان العطاء وديوان الجند، مما تقتضيه المصلحة. ويتابع عبدالمجيد الشرفي، مثل هذه القرارات إنما كان الهاجس الأول فيها نفعياً ثم فيما بعد مع ما يسمى بمأسسة الدين الإسلامي شيئاً فشيئاً أصبحت هذه القرارات الأولى التي لم تكن لها صبغة دينية واضحة في حاجة في نظر المسلمين إلى تبرير ديني، ومن هنا نشأت ما تسمى بدولة الإسلام.

أشرت إلى هذين المثالين لأبين أن حقيقة موت الشعوب وغزو الأوطان ونهبها لا علاقة لها إن كان الفرد مؤمناً أو كافراً، وإنما هي حاجة طبيعية داخل كل إنسان وشكل هندسي للبشرية يتم فيه تصفية الشوائب والتخلص من الأعباء البشرية التي لا طائل من ورائها سوى تعطيل التقدم وخدمة مواقع الرجعية السياسية والدينية والاقتصادية. ولا شك أن القصص حول الموت وطرقه وامتداداته وتبريراته لن تنتهي. فالتاريخ يخبرنا عن حقب الإمبريالية والصهيونية والاستعمارية والرأسمالية وغيرها من المفردات والمصطلحات التي نشأت لإضفاء الشرعية على القتل والموت للشعوب المستحقة. ورغم أن تلك المسميات قد اختفت أو تكاد تصبح تاريخاً مخزياً وعلامة فارقة بين التحضر والتخلف، إلا أن الحقيقة مرة أخرى تنبئنا بأن تلك المصطلحات قد تم استبدالها بهويات أكثر قبولاً للعقل البشري وأكثر تسويغاً للقتل والموت وتصفية الشعوب. فالعولمة والديمقراطية وحقوق الإنسان وبالمقابل نشر المسيحية أو نشر الإسلام أو الدعوة إلى الإنسانية وخلافه، هي كلها مسوغات قد أصبحت الطريق الأسهل للتدخل العسكري أو الإنساني في سبيل تعديل الوضع، أي إسباغ الشرعية لموت آخر وبطريقة أخرى أكثر تحضراً وأقل ألماً وأكثر قبولاً لدى المشاهد والرأي العام ومنظمة الأمم المتحدة.

 

إن من يحكم العالم اليوم، اقتصاديات عملاقة وشركات عابرة للحدود والجغرافيا وحتى الفضاء. وهذه جميعها لا تلتفت إلى الداخل الإنساني أو إلى قيم البشر والأخلاق والتاريخ.. تلك تكمن قوتها وهيمنتها واستمرارها في الموت المستحق، وهو الموت الذي يقيم التوازن العالمي ويصنع نمو وتزايد الأرباح، ولا يهم أي أيديولوجية تقف خلف تلك الارباح، سواء كانت الدينية في العصور السابقة المظلمة أو الرأسمالية المتوحشة أو الترامبية الحديثة، أو المؤسسات الدولية كالبنك الدولي أو مجموعة بيلدريبرغ.. الخ. فالمهم في العصر الحديث أن يكون موت الشعوب مبرراً وغزو الأوطان تحت غطاء وشرعية الأمم المتحدة فاعلاً بدون معارضة. فلا داعي أن يتباكى العرب والمسلمون اليوم على استهدافهم أو محاولة النيل منهم وتقسيم مجتمعاتهم، فهم اليوم الحلقة الأضعف في مسار البشرية وفي تعطيل الشعوب المتقدمة وفي إعاقة جهود السلام والديمقراطية والحريات والتعايش العولمي الذي هو أسلوب العصر الحديث والعلامة التجارية للزمن الحديث حتى تنتهي الإمبراطورية الحالية لتبدأ من بعدها إمبراطورية أقوى تقود العالم بشكل جديد وتكنولوجيا متطورة أكثر ومفاهيم فكرية وسياسية مختلفة. فالتاريخ لا ينتهي أبداً ولا يقف عند أي حد مهما تصورنا حدوده.

فالموت والفناء مصير يمكن أن يتكرر لأي شعب أو أمة تعجز عن استشعار الخطر وتستبدل إرادة الحياة والكفاح والنضال بالخدر الديني أو التعلق بالتسويات السياسية مع القوى الأكبر منها.

يرى هيدجر في كتابه "الوجود والزمن"، الذي كتبه في عام 1927، "أن الموت يعطي جدية للوجود الإنساني، فعندما ينفتح الإنسان على إمكانية الموت يدرك أن الإمكانيات الكثيرة الذي يريد تحقيقها ليست هي الهدف، فالموت إذن بمثابة تذكير للإنسان بنسبية أي إمكانية".

________

* كاتب كويتي.

مقالات الرأي المنشورة لا تعبّر بالضرورة عن الصحيفة.

 

 
 

 

 

 

كاتب وباحث كويتي