تجاوز إلى المحتوى الرئيسي

د. نصير العمري يكتب: هل تتجاوز أمريكا اغتيال بن سلمان جمال خاشقجي؟

image
نُشِر
2019/01/23 3:54 م
تحديث
2019/03/10 7:15 م
تغيير حجم الخط

صحيفة التمكين – رأي

د. نصير العمري*

 

ولي العهد السعودي يراهن على سياسة مرور الوقت وانخفاض حدة التغطية الإعلامية لاغتيال الشهيد جمال الخاشقجي لتجاوز الأزمة والعودة إلى برنامجه في قمع الداخل وتصفية الخصوم وتحقيق هدفه في حكم السعودية بشكل مطلق. ولكن، هل يتجاوز العالم جريمة محمد بن سلمان ويمسحها من الذاكرة السياسية والعودة للتعامل استراتيجياً واقتصادياً وسياسياً؟

الإجابة القصيرة هي لا، لأن اغتيال جمال خاشقجي ليس حدثاً عادياً يمكن تجاوزه. أهمية الجريمة تنبع من كونها رمزاً لطريقة حكم بالإضافة إلى بشاعتها وطريقة ومكان تنفيذها. أهميتها تنبع من كونها أصبحت مصاحبة لصورة وسمعة محمد بن سلمان، فلا يمكن للأخير أن يتخلص من متلازمة الخاشقجي مهما بذل من جهود داخلية وخارجية.

محمد بن سلمان يشعر بالأمان نسبياً بعد خمود العاصفة في مرحلتها الأولى وبسبب إضعافه المعارضة الداخلية وهدوء عاصفة الرأي العام العالمي بعد أن أفشل الرئيس دونالد ترامب الهجمة الدبلوماسية العالمية ضد محمد بن سلمان.

لكن هذا الهدوء لن يستمر طويلاً، لأن مصير ترمب السياسي على المدى القصير والطويل في خطر كبير. استعداد الديمقراطيين لفتح ملفات تعاملات ترمب المالية وعلاقاته مع النظام السعودي ستعيد اغتيال الخاشقجي إلى الواجهة ولكن بصورة أكثر خطورة على النظام السعودي لأن التحقيقات إذا بدأت في تعاملات النظام السعودي مع ترامب فلن تتوقف هناك. العلاقة الأمريكية مع السعودية ستأتي تحت المجهر وتنهي الحماية التقليدية للنظام السعودي من قبل النخبة الحاكمة في الولايات المتحدة التي بررت دعم قمع وإرهاب النظام السعودي والسكوت عنه بمبررات المصلحة الإستراتيجية.

 

 

الأسابيع القادمة مليئة بالمفاجآت التي تنبثق من الكونجرس الأمريكي والأشهر القادمة حبلى بالأخبار والأحداث المزعجة بعدما يسحب الكونجرس دعمه لمحمد بن سلمان والسنوات القادمة ستشهد ضغوطاً كبيرة على النظام السعودي بعدما أصبح لدى العالم دليل محسوس وماثل أمامهم على بشاعة نظام الحكم في السعودية بعد اغتيال جمال خاشقجي.

مجلس النواب الأمريكي الذي رحب هذا العام بقيادات ديمقراطية شابة من الملونين ومن الليبراليين الذين أتوا إلى مقاعد البرلمان الأمريكي على موجة عارمة ليس فقط ضد سياسات ترمب ولكن ضد نخبة حاكمة في واشنطن منحت طيلة عقود قديمة رخصة للنظام السعودي لقمع الداخل وتجاوز حقوق الإنسان ودعم الإرهاب الإقليمي والدولي بحجة خدمة النظام السعودي للأهداف الإستراتيجية الأمريكية.

هذه النخبة الأمريكية من سياسيين وعسكريين ممن يمثلون شركات السلاح والمال والنفط منحت النظام السعودي الحماية في الداخل الأمريكي بحجة المصالح الإستراتيجية الأمريكية مع أن مصالح النخبة المالية المتمثلة بتجارة السلاح والنفط هي الدافع الحقيقي لدعم النظام السعودي الإجرامي.

قدوم جيل جديد من الديمقراطيين إلى الحكم ممن يرون التناقض في علاقة أعظم ديمقراطية في التاريخ مع أسوأ دولة قمعية في التاريخ من زاوية نظر مختلفة تماماً تفسر العلاقة على حقيقتها وهي أنها علاقة استعمارية يتم بموجبها تسخير أموال وثروات الشعب لصالح المستعمر الذي تمثله شركات النفط والسلاح والبنوك في الولايات المتحدة المدعوم من النخبة السياسية الأمريكية. هذا التغير العميق سيكون السطر الأخير في قصة دعم المؤسسات الإمبريالية نظاماً متخلفاً قمعياً يتاجر بحرية شعبه للبقاء في السلطة.

 

 

كيف يتصرف محمد بن سلمان في وجه هذه الهجمة القادمة نحوه والمنطلقة من المؤسسات الأمريكية التشريعية الحاكمة؟ سيقوم بإعطاء تنازلات تبدأ بملف الاعتقالات وتجاوزات حقوق الإنسان إلى جانب التنازلات في ملف النفط والمال والتجارة، لكن هذه التنازلات لا تصب في مصلحة النظام السعودي لأنه يعتمد في بقائه على الاستمرار في القمع والاستمرار بإنفاق أموال الشعب لإرضاء شركات النفط والمال والسلاح. هذا الاستنزاف الثنائي سيقود إلى سقوط النظام لأن تعديل سلوك النظام ليتناسب مع إرادة المنادين بحقوق الإنسان تعرض النظام للسقوط الفوري.

استخدام الرشوة لن يستمر طويلاً لأن فتح ملفات تجارة السلاح مع النظام السعودي في حرب اليمن وغيرها ما هو إلا مسألة وقت، حيث يتأهب الكونجرس الجديد والصحافة لفتح ملفات العلاقة الأمريكية السعودية في سياق التحقيق مع تعاملات ترمب مع السعودية بعد أن قدم الحماية لمجرم حمله الكونجرس الأمريكي مسؤولية قتل جمال خاشقجي.

________

* كاتب ومحلل سياسي أردني.

مقالات الرأي المنشورة لا تعبِّر بالضرورة عن الصحيفة.

 


 
 

 

 

 
كاتب ومحلل سياسي أردني.