تجاوز إلى المحتوى الرئيسي

خيال الظل.. من الصين ووسط آسيا وفارس إلى بلاد العرب وأوروبا

image
نُشِر
2018/07/28 6:32 م
تحديث
2018/07/28 6:33 م
تغيير حجم الخط

صحيفة التمكين - محرر ثقافة

في عصر سلطنة المماليك (1250- 1517)، كان خيال الظل من وسائل الترفيه الهامة، وهو عرض بالعرائس المربوطة بحبال في طرفها عصا يحركها رجل محترف يسمى "المخايلي" من وراء ستارة بيضاء مشدودة ومسلطة عليها إضاءة من الخلف، حيث كان خيال الظل من أهم الفنون الشعبية والطرق المفضلة للتسلية.

مُصطلح خيال الظل هو مصطلحٌ عربي خالص، إذ إن الخيال يعني التشبيه والتصوير، والظل هو انعكاس الصورة، والأصل في المصطلح ظل الخيال، لكن الإضافة مقلوبة، كما يقول الدكتور محمد الشنطي الذي وضَّح ماهيته وطريقة اشتغاله بأنه مكوَّن من شخصٍ يقفُ خلف شاشة بيضاء كبيرة، وهذا الواقف هو المُمثِّل، لكنَّ وظيفته أقرب إلى الإخراج حدَّ تعبيره، ويُمسك هذا المُمثِّل بأشكالٍ مصنوعةٍ مِن الجلد، أو الفراء، أو الورق القوي، وهذه الأشكال تتحدث باسم المُحرِّك، وتقوم بتمثيل مشاهد كاملة.

كانت تمثيليات خيال الظل تعبّر عن الأوضاع الاجتماعية والاقتصادية والسياسية والتاريخية بأسلوب بسيط كوميدي، وكان أشهر كاتب لتلك التمثيليات ابن دانيال، فهو ممن هربوا وقت غزو المغول لبغداد، وجاء من الموصل إلى مصر سنة 1267، في عهد السلطان الظاهر بيبرس.

وفقاً للأديب المصري أحمد تيمور باشا، فإنّ مسرح خيال الظل يعود إلى قصور الأمراء والأثرياء في العصر الفاطمي، فيما توجد إشارة أخرى لعرض حضره صلاح الدين الأيوبي مع وزيره، القاضي الفاضل، سنة 1171م/ 567هـ، بينما تكثر الإشارات العثمانية التي تشهد بعروض قدَّمها فنانون مصريون في إسطنبول منذ القرن السادس عشر.

مع الوقت ازدهر فن خيال الظل في مصر، وذلك بداية من القرن الثالث عشر الميلادي، شهد طفرة وانتشاراً بانتقال الفن من قصور الأمراء لشوارع عامة الشعب، تم تقديم العروض لكافة فئات الشعب، وحاز على اهتمام الشعب وحبهم وأصبح وسيلة للتنفيس عن مشاكلهم و أحوالهم المعيشية، كما أصبح من أهم وسائل الترفيه ومحل إقبال الناس على مشاهدتها، وكانت تعرض في مسارح مخصصة وفي المقاهي والأماكن العامة بل وحتى في حفلات الزواج والختان وغيرها من المناسبات.

أصبح خيال الظل مع انتشاره في مصر أكثر جرأة، وتطرق لموضوعات حساسة وللنقد والسخرية من الأمراء والحكام، فقام المماليك بمنع فن خيال الظل لفترة، لكنه عاد ثانية خلال الحكم العثماني لمصر، ونقله العثمانيون إلى عاصمة الخلافة.

ويحتفظ التراث العربي بثلاث مخطوطات، تعد الأقدم لمسرح خيال الظل، وهي التي ألفها ابن دانيال الموصلي (1249- 1311م) النازح إلى مصر، وأطلق عليها بابات (جمع بابة)، وكانت أحداثها تناقش قضايا سياسية واجتماعية وتاريخية بطريقة فكاهية ساخرة. وهي بعناوين "طيف الخيال"، و"عجيب وغريب"، و"المتيم وضائع اليتيم"، وكتب المقريزي عن كتاب ابن دانيال "طيف الخيال" أنه لم يصنف مثله في معناه.

غايةُ مسرح خيال الظل هي غايةٌ تعليمية، وأحيانًا تكون غايته للتسلية والترفيه، وقد كان موجودًا في الصين ووسط آسيا وبلاد فارس فوفدَ بعدها إلى الشرقِ العربي، ومنه وصل خيال الظل إلى أوروبا في القرن السابع عشر، عبر تركيا العثمانية واليونان، فاحتفت به الشعوب الأوروبية، وتطورت تقنياته كثيراً عن الصورة التقليدية التي عرفها العرب قديماً وتوارثوها حتى وقت قريب، وممن اهتموا في أوروبا بخيال الظل "راينر رويش" المبدع الألماني الذي أسس مع أبنائه في سنة 1982 مسرحاً لخيال الظل.

لم يكن للشعر حضورٌ في عصرِ المماليك، ليبرُزَ في ذلك الزمن القص الشعبي، وقد اهتمَّ المماليك بفنون أخرى غير الفنون الأدبية كفنِّ الزخرفة، والمعمار، أمَّا الشعر فليس له دورٌ كبير كما كان من قبْل في عصر الأُمويين والعباسيين.

شخصيات مسرح خيال الظل هي الشخصيات النمطية، وشبه الثابتة، لكنها شخصيات مُتخيَّلة قُدِّمَت في عمليَّةٍ فنيةٍ لا تخلو من جمهور وممثِّل يتقاطع عمله مع العمل الإخراجي في وقتنا الحالي، إذ يقوم بتحريك الأشكال الكرتونية المرسومة، ومع ذلك فالشخصيات المُقدَّمة كُلَّها شخصيات مُهمَّشة كشخصية الكركوز والحشاش والفقير والشاب الأسمر.

تلك الشخوص المُهمَّشة جاءت من عوالم القص الشعبي الذي كان مُتداوَلاً في عصر المماليك، وهذا القص لا يخلو منَ السخرية والفكاهة التي كانت سمةً بارزة في مسرح خيال الظل.

ربما ظهر مسرح خيال الظل في مرحلةٍ تراجع فيها الأدب الرفيع والشِعر الفصيح، وفي مُقابلِ ذلك، زاد اهتمام المُتلقي العربي في ذلك الوقت بالقص الشعبي الذي انتشر في العراق ومصر والشام. ومع أنَّ هذه الفنون الشعبية راجت في العصور المتأخرة، فإنَّ العرب من قبل لم يلقوا لها بالاً، ومثال ذلك صنيع النخبة المثقفة في عصر بني العباس مع حكايات ألف ليلة وليلة وهذا يُقابله اهتمام كبير بالفنون الأدبية التي أجزل لها خلفاء بغداد العطاء ووافر الاهتمام بها وبكُتابها كالجاحظ وسهل بن هارون وغيرهم من الشعراء والكُتَّاب.