تجاوز إلى المحتوى الرئيسي

جولة بداخل المجتمع

نُشِر
2019/04/8 10:56 م
تحديث
2019/04/8 11:28 م
تغيير حجم الخط

أتذكر ذلك الأخ أو الأخت الذي لا يثق بهما أحد في الأسرة بسبب فشلهم المستمر ووعودهم الكاذبة؟

 أتذكر ذلك القريب الذي لم يرد لك الدين المتفق عليه؟

أتذكر ذلك الصديق الذي أحسنت الظن به ليكون أول من يغدر بك؟

أتذكر تلك الحبيبة التي قدمت لها الغالي والنفيس لتقابلك بالخيانة؟

أتذكر زميل الدراسة الفاشل والأحمق الذي لم يدرس يومًا واعتمد دوما على الغش؟

أتذكر زميل العمل كثير الغياب وكثير المرضيات والذي وجوده وعدمه سواء؟

 

والآن لنبدأ جولتنا بداخل المجتمع، حيث سننتقل من دائرتنا الصغيرة إلى دائرة المجتمع الأكبر. لننتقل معًا إلى الدائرة الكبيرة التي حثتنا على الأخلاق والدين والفضيلة ونبذ كل مساوئ دائرتنا الصغيرة ولنقيسها على واقع مجتمعنا. أكبر مدرسة في الحياة، ليست المدرسة التي نذهب إليها كل صباح لنتعلم منها ما يلقنه لنا الأساتذة، إنما هي مدرسة المجتمع والتي من خلالها يتعلم الأفراد كيفية التكيف والتأقلم مع محيطهم.

 فهناك مجتمع يدفعك إلى أن تبذل قصارى جهدك لتصل إلى غايتك وتحظى بفرص تتوافق مع مقدار عطاءك، وبالمقابل هناك مجتمع يعلمك بأن طريق العلم لا قيمة له من دون واسطة، بل شهادتك نقعها واشرب ميتها! وكل ما تحتاجه ورقة وهمية، ودامك من ربع ماكلين شاربين نايمين فأمورك بالسليم حتى ولو كنت من أكبر المزورين! لمزيد من التفاصيل عن قضية تزوير الشهادات راجع هذا المقال

الباحثون بعلم الاجتماع يدركون بأن مشاكل المجتمع هي من صنع يديه، أي أن مشاكل مجتمع ما هي إلا انعكاس لنظامه وأسلوب إدارته وامتداد لثقافته وتربيته. ولكن أرغب في التركيز على عالمنا العربي الحزين، الذي يصرّ على خلق مجتمعات فاسدة ومعدومة للضمير والأخلاق ومن ثم يجمل قبيح أعمالهم بادعاء الفضيلة. وإلا كيف نفسر حال الوزير أو النائب الذي يسرق أموال الدولة والناس بالحرام ومن ثم يحدثنا عن أهمية التوفير وعدم التبذير؟ وماذا عن شيخ الدين الذي ينصحنا بالزهد والتواضع بالحياة وهو يشتري لنفسه أفخر أنواع الماركات والسيارات؟ وماذا عن الآخر الذي يحثنا على الجهاد في سبيل الله بينما يرسل أبناءه ليتفسحوا في ربوع باريس ولندن وسويسرا؟ وماذا عن ذلك المعلم الذي يتحدث مع تلامذته عن أهمية الصلاح والعيش الشريف ومن ثم يتقلد منصب يتطلب منه أن يعيش بأسلوب مغاير تمامًا؟

هذا الواقع المؤسف لم يأتي من فراغ، ولكن هناك مؤسسات ونظم وأجهزة ترعاه. لا تحدثونا عن التقوى والصلاح وأنتم كل أفعالكم خسة ودناءة وانحطاط! هل نصبتم الفاشلون والحمقى والمحتالون بأماكن قيادية ليحدثونا عن الشرف والأمانة والنزاهة؟ كيف سيقتنع المواطن بالترشيد وهو يراكم تهدرون مليارات المال العام على المتردية والنطيحة من الفاسدين؟ وكيف تتوقعون من الطالب أن يجتهد وهو يراكم توظفون وتكرمون مزوري الشهادات؟ وكيف للموظف أن يمارس عمله بأمانة والترقية لا تقدم من قبلكم إلا للمتملقين والمنافقين؟ وكيف سيصدق المجتمع هذيانكم عن الدولة المدنية والديمقراطية وأنتم تسجنون المغردين وتناصحون الإرهابيين؟ وكيف سيصدق العالم مسرحياتكم بوصف الإنسانية وأنتم تسحقون وتعذبون البدون مع سبق الإصرار والترصد؟

هناك الكثير والكثير جدًا والذي لا يمكن سرده بمقال واحد، ولكن الحقيقة المرّة بأن كل ما يحصل هو من صنيعتكم، وأنتم ما زلتم تستغفلون الناس وليس عندكم أي رغبة في التغيير أو الإصلاح. ولكن التاريخ لا يرحم، ولذلك هذه الحقبة السوداء التي نعيشها، ستلعنها الأجيال وستوصف بالنقطة السوداء في مسيرة البلد، كما حدث مع النازية والتي لا يزال الشعب الألماني يلعنها ويلعن كل مسؤول تسبب بها من أصغر رأس إلى أعلى هرم في الدولة. وفي الختام دوام الحال من المحال وقدرنا أن نصبر ونعمل معًا على تغيير الأقدار ليكون البلد بأيدي أمينة وصادقة وحينها سيلمس الجميع الفرق وسينعكس ذلك على رضا المجتمع وستكون السعادة حقيقية وليست بحاجة إلى تزييف يا جمعية السعادة ..!


مقالات الرأي المنشورة لاتعبر بالضرورة عن الصحيفة
الدلالات