تجاوز إلى المحتوى الرئيسي

ثقافة الوهابية وإرهاب داعش.. السحر والساحر

نُشِر
2019/04/8 10:25 م
تحديث
2019/04/8 11:34 م
تغيير حجم الخط

"الممولون في السعودية هم المصدر الأساسي للجماعات السُنية المتطرفة أو "الإرهابية"، ويجب علينا اتخاذ الإجراءات اللازمة حيال كون السعودية ممولاً مالياً خطيراً للجماعات الإرهابية كالقاعدة وطالبان".

ذلك ما ورد في تسريبات ويكيليكس من وزارة الخارجية الأمريكية نقلاً عن "هيلاري كلينتون" في العام 2009.

لهذا السبب يحاول النظام السعودي جاهداً الخلاص من تهمة الإرهاب الدولية اللصيقة به منذ عقود، والنتيجة هي إجراء محاولات تحديثية انفتاحية للتبرؤ ولإحداث الطلاق بين الدولة ومذهب الوهابية الذي جعله النظام ثقافة محلية ومن ثم إقليمية، وهي الثقافة التي تتراوح بين روايتين متناقضين: كان مؤسس الدولة الأولى محمد بن سعود يتحمس لنشر الوهابية بالسيف لتعزيز وضعه السياسي، لكن الشيخ محمد بن عبدالوهاب فضَّل التعليم والدراسة والمناظرات كوسائل لنشر هذه العقيدة والثقافة العقدية.

تجمع بين الوهابية و"تنظيم داعش الإرهابي" أواصر تاريخية عميقة، إذ تمتد جذور الأخير إلى الوهابية الناشئة في السعودية، وقد اعتبر البرلمانُ الأوروبي في يوليو/تموز 2013 الوهابيةَ منبعاً رئيسياً للإرهاب العالمي، في حين كان المفتي العام للسعودية عبدالعزيز آل الشيخ يدين بأشد العبارات داعش ويؤكد أن تطرف وإرهاب داعش لا يمتان بصلة للإسلام، وهي الإدانة التي استغربت منها صحيفة التلغراف البريطانية التي قالت في العام 2016 إنها إدانة تدعو إلى الاندهاش وتعكس المفارقة الكبيرة في الرياض، حيث يصفق أفراد الطبقة الحاكمة السعودية للوهابية ويعتزون بها لا لشيء سوى لأنها تقوّي السلفيين الذين يتبعون الممارسات المتشددة ضد أصحاب المذاهب الاسلامية الأخرى.

يلتقي الوهابيون مع داعش عند نقاط عدة، أهمها إيمانهما بالنبوءة التي وردت في صحيح مسلم عن "الملحمة الكبرى" وهي النبوءة التي استخدمها تنظيم داعش كثيراً في استقطاب آلاف الشباب المسلمين للانضمام إلى صفوفه لخوض معركة آخر الزمان مع الكفار، كما أن كلاهما لا يعتبران مرتكب الكبيرة كافر، على عكس الخوارج والمعتزلة اللذين يكفران مرتكب الكبيرة.

ويشير الكاتب السوداني والباحث المختص بشؤون حل النزاعات بابكر فيصل في مقال له على موقع الحرة، إلى أنه لا يستطيع باحث جاد النظر في المنهج وطرائق التفكير والمصادر التي تقوم عليها المدرسة السلفية الوهابية دون أن يجد رابطاً وثيقاً بينها والسلوك الإقصائي والعنف والتكفير الذي يتصف به داعش. ويلفت إلى أن موجة انتشار الجماعات التكفيرية العنيفة الأخيرة قد بدأت من مصر في النصف الثاني من ستينيات القرن الماضي بتأثير مباشر من أفكار "سيد قطب" التي كانت بدورها تطويراً لأفكار "أبو الأعلى المودودي"، ولكن الصحيح أيضاً أن الأخير تأثر كثيراً بدعوة محمد بن عبدالوهاب.

يرى الكاتب أيضاً أن البعض يرون للحقيقة بنصف عين حين يقولون إن المجرى العام للدعوة السلفية يرفض التكفير ويُناهض استخدام العنف ضد غير المسلمين، فالمصادر التي يستقي الوهابيون والتكفيريون أفكارهم، هي مصادر مشتركة، وهم كذلك يتفقون في الكيفية التي تتم بها قراءة النصوص (الفهم الحرفي)، وبذلك يُصبح الاختلاف بينهم اختلافا في الدرجة وليس في النوع.

رغم أن الشيخ محمد بن عبدالوهاب كان يرفض مذاهب الإسلام المتعددة، إلا أنه أمسَكَ عن تكفير المخالفين معتقداً أن الله وحده أعلم بكمائن النفوس، ولكن بعد وفاته، لم يدم هذا السلوك طويلاً بين الوهابيين ما أدى إلى تزايد الشكوك حول المتصوفة في العالم الإسلامي، بحسب ما يورده موقع ساسة بوست.

وبعد وفاة بن عبدالوهاب، زادت الوهابية عنفاً حتى صارت أداة الإرهاب المستخدمة من قبل الدولة، وبسعيه نحو إقامة مملكة مستقلة، استغل عبدالعزيز بن محمد نجل محمد بن سعود وخليفته، استغل أداة التكفير لتبرير المذابح الجماعية ضد معارضيه، وفي عام 1801 اجتاح جيشه المدينة الشيعية كربلاء، ثم قام بنهب ضريح الحسين وهو رمز ديني لدى الشيعة، وذبح الآلاف بمن فيهم النساء والأطفال، ثم في عام 1803، وفي أجواء من الهلع والرعب، خضعت مكة المكرمة لحكم الملك السعودي.

(الوهابية ثقافية دينية إقليمية) هو عنوان دراسة للدكتور ديفيد كمنز، تتحدَّث عنها جريدة الرياض السعودية، وتقول إنه يصف الوهابية كدعوة ومن ثم كآلية لبناء كيان سياسي، ويرى أنها اعتمدت على الثقافة المحلية التي تكونت نتيجة تراكمات فكرية وثقافية.

ويأتي الفيلسوف البريطاني جون جراي، ليربط بين هذه الثقافة الوهابية السعودية وبين داعش ويَعتبر أن داعش النابع من هذه الثقافة السعودية ليس حركةً رجعية بل حركة عصرية تتميز بالكفاءة والتمويل وتقدر ممتلكاتها ببليوني دولار، إذ أن عمليات النهب وسرقة سبائك الذهب من البنوك والاختطاف والابتزاز وسحب البترول من الأراضي المسيطَر عليها جعلت منها الحركة الجهادية الأكثر ثراءً في العالم.

صحيفة التلغراف البريطانية تؤكد أن للوهابية السعودية علاقة بنشر الإرهاب في مختلف أنحاء العالم، ووصفت الوهابية بـ"الثقافة المتشددة" التي استطاعت أيديولوجيتها أن تغزو عدداً من البلدان في العالم، مشيرةً إلى أن الوهابية أصبحت مؤثرة على نحو متزايد بسبب المال السعودي من ناحية، والتأثير المركزي السعودي نظراً لتواجد مكة المكرمة بها من ناحية أخرى.

لقد بدأت الجمعيات الخيرية السعودية في مطلع عام 1970 بتمويل المدارس الدينية والمساجد في جميع أنحاء العالم لنشر الفكر الوهابي، لكن الأمر انتهى بأنْ سارت على هذا الفكر الوهابي جماعاتُ بوكو حرام وداعش، وفقاً للتلغراف، حيث أدى هذا الفكر إلى ظهور خلايا من الناشطين خارج السعودية، على استعداد لارتكاب اعتداءات إرهابية.

ويقول المؤرخ في تاريخ الوهابية بجامعة برينستون، كول بونزل، في حديث لصحيفة نيويورك تايمز الأمريكية، في فبراير/شباط 2016، إن العقيدة الوهابية محورية في أيديولوجية داعش، وإنها تشكل المصدر الأساسي لمعتقداتهم وهي الجزء الأكثر ظهوراً من أيديولوجيتهم ككل، حسب رؤيته.

ووفقاً للصحيفة، فإن السعودية ترفض أن يُقارَن بينها وبين داعش على المستوى الأيديولوجي، حيث يحاجج مسؤولون سعوديون بحجة ضعيفة ترتكز على أنه يوجد "الملايين من غير المسلمين في المملكة"، دون ذكر أن تلك الأقليات تتعرض للاضطهاد لأسباب دينية وعنصرية وإثنية.

والحجة الثانية التي تستخدمها السعودية هي أنها تشارك في "الحملات ضد المجموعات المسلّحة"، فيما يُذكر في تاريخ السعودية أنها دعمت المجموعات الإسلامية المسلّحة وقامت بتمويلها، وذلك إما على مستوى النظام أو عبر قنوات غير رسمية.

بالنهاية يشكّل داعش تهديداً جديداً للنظام السعودي، فهو يستخدم عقيدة السعودية ضدها ويتهمها بإفساد الدين من أجل الحفاظ على الهيمنة. هذا ما قالته النيويورك تايمز، وأضافت: إلا أن السعودية تصر على أن الإسلام السعودي لا يروّج للخلافة كما يفعل داعش وأنَّ كبار علماء السعودية يدينون أعمال الإرهاب.

لكنَّ كبار علماء السعودية هؤلاء- تقول الصحيفة- لم يعلنوا التخلي عن العقيدة الوهابية التي يتبنّاها التنظيم، خاصةً حيال الأقليات كالشيعة الذين يُعتبرون في أنظار علماء النظام كفاراً إلى جانب غير المسلمين.

الدلالات