تجاوز إلى المحتوى الرئيسي

استهداف آل سعود لمراكز القوى الاجتماعية

نُشِر
2019/04/3 9:25 م
تحديث
2019/04/3 9:29 م
تغيير حجم الخط

صحيفة التمكين ـ محرر تاريخ

 

لا يزال نظام آل سعود كما كان عبر التاريخ يستهدف مراكز النفوذ والقوى الاجتماعية داخل الجزيرة العربية ويضربها ببعضها، ويهمش بعضها إن اقتضى الأمر ليبقي على مصالحه وقوته.

ولم يكفّ النظام السعودي عن نهجه طوال فترات حكم دوله الثلاث على رقاب أبناء الجزيرة العربية، عن استهداف مراكز القوى بأساليب الترغيب والترهيب، ومن أشهر ما استهدفها من مراكز القوى:

 

آل رشيد

آل رشيد هي عائلة عربية كبيرة حكمت إمارة جبل شمر في نجد وعاصمتها حائل "شمال وسط الجزيرة العربية" في القرن التاسع عشر الميلادي عام 1834م, وحكمت لمدة 88 سنة حتى مطلع القرن العشرين، وكان للأسرة الرشيدية معارك ومعارك مع آل سعود عبر مراحل تاريخية متعددة، سبق وأن تناولناها في حلقات من تبويبنا، ولكن للتذكير فقد كان من أبرز ما حصل أن تعرض عبد الله بن رشيد إلى بعض المشاكل مع الدولة العثمانية ممثلة بواليها محمد علي باشا الذي أرسل حملة في عام 1836 بقيادة إسماعيل بك ومعه خالد بن سعود أخو عبد الله بن سعود آخر حكام الدولة السعودية الأولى.

هذا غير احتلال الملك عبدالعزيز بن سعود لحائل عام 1921م، في آخر عهد الدولة الرشيدية، وقتله لابن عجلان في الرياض وهو حاكم آل رشيد في الرياض.

كما اغتال النظام طلال العبد العزيز الرشيد في الجزائر أثناء رحلة صيد كان يقوم بها مع مجموعة من رفاقه يوم الجمعة 3 شوال 1424 هـ / 28 نوفمبر 2003م.

 

آل الخالدي

كان آل الخالدي الذين يقال إن أصولهم ترجع إلى خالد بن الوليد، حكام مناطق واسعة من شرق وشمال الجزيرة العربية، وكان لهم صولات وجولات في مقارعة الدولة السعودية في كافة مراحلها، لذا استهدفهم نظام آل سعود واستهدف مكانهم في المجتمع.

ومن أسباب تجني وحقد النظام على بني خالد تاريخهم المواجه لآل سعود، ومن ذلك حصار بني خالد للمجمعة عام 1193 هـ، وذلك بعد دخول المجمعة في ولاية الدرعية. وفي معركة الحاير عام (1764)       كانت خسائر جيش عبد العزيز بن محمد آل سعود مقدرة بنحو 500 قتيل و 300 أسير.

 

آل السليم

من أهل عنيزة بمنطقة القصيم ووجهائها وأمرائها، وقد استهدفهم النظام بداية الأمر بالتهميش والترهيب، ثم بالتقريب والترغيب، ومن أسباب ذلك أن جلوي بن تركي بن عبد الله آل سعود الذي كان يحكم عنيزة في الفترة 1265-1270 هـ كان مكروهًا لظلمه بينهم، وقد كانت عنيزة في فترة حكمه العاصمة الإدارية للقصيم، وانتهى حكمه في عام 1270 هـ وهي السنة التي أخرجه فيها أهل عنيزة وكانت سببًا لنشوب حرب عنيزة الأولى التي هزم فيها أهل عنيزة من قبل جيش فيصل بن تركي الذي ولى عليها عبد الله بن يحيى السليم.

كما أن نظام آل سعود حاول التحريش بين آل السليم وآل السبيعي في عدة مرات، وكان من نتائج ذلك تمكن آل سعود من القضاء على نفوذ الأسرتين بعد أن قُتل حمد بن عبد الله السبيعي 1318-1322 هـ على يد أسرة السليم سنة السطوة مع عبد العزيز آل سعود.

 

آل عائض

آل عائض كانوا حكام منطقة عسير وعاصمتها أبها بعد سقوط العثمانيين وقبل قيام الدولة السعودية، وكان لدولتهم حضارة وسيادة وتاريخ، وينتسبون إلى عايض بن مرعي الذي تولى الحكم سنة 1249 هـ والذي جعل مقر حكمه في مدينة أبها، وهم من آل يزيد من بني مغيد، إحدى قبائل عسير الخمس. وقد كان آخر أمراء آل عايض حسن بن علي سنة 1342 هـ.

وعلى عكس ما يشيع النظام عنهم بأنهم كانوا قبوريين ومبتدعة ونحو ذلك، فقد كانوا رجال دنيا ودين، ويروى أن بريطانيا أرسلت وفدًا من ثلاثة ضباط وطلبوا مقابلة الأمير حسن آل عائض وأطلعوه على مهمتهم ووعدوه بحماية عرشه وتزويده بكل جديد من الأسلحة والأموال والمساعدات، وبجعل موانئهم على البحر الأحمر والخليج العربي موانئ عالمية ومنع أي دولة أخرى من التعدي عليهم وبسط نفوذهم على شبة جزيرة العرب، شريطة أن يرضخ لهم، فاجتمع الأمير بمجلس الشورى الذي يضم أكثر القبائل ثم اجتمع مع شيوخ وعلماء المنطقة ومنهم الجهري والزميلي وابن جعلان والحفظي، وطلب منهم إعداد كتاب لدعوة بريطانيا إلى الإسلام قائلاً: "حرصًا عليهم كما يزعمون الحرص علينا". ونص الكتاب:

"من حسن بن علي آل عائض وعلماء عسير، إلى عظماء وقادة بريطانيا، السلام على من اتبع الهدى… وبعد،

إن وفدكم قد عرض علينا الدنيا، وإنا نعرض عليكم الدنيا والآخرة، فإنا ندعوكم بدعوة الإسلام، أسلموا تسلموا من عذاب الله، وارفعوا الظلم عن عباد الله يرفعه الله عنكم، ولا يتخذ بعضكم بعضًا أربابًا من دون الله يؤتكم الله أجركم مرتين، ويمددكم بأموال أكثر مما تأملون من استعماركم، فإنكم إن رجعتم إلى عقولكم، علمتم أن ما أنزله الله تعالى على رسوليه موسى وعيسى هو ما جاء به محمد (صلى الله عليه وآله وسلم) وهو الحق من ربكم، وقد ختم الله به الرسالات، وإن عدتم إلى رشدكم عرفتم أن هذا ما شهدت به كتبكم".

ولم يتخلَّ آل عائض عن الحكم إلا بعد حرب حجلا وخيانة بعض المقربين لهم آنذاك، ولم يكونوا ديكتاتوريين كما يشاع بل كان لهم مجلس شورى مكون من مشايخ قبائل وعلماء دين، بعكس نظام آل سعود الذي حاربهم باسم أنهم ظالمون وهو أظلم الظالمين.

 

الأدارسة

يعود نسل الأدارسة إلى الإمام الحسن بن علي بن أبي طالب، وكان لهم دولة في جنوب الجزيرة العربية، وفي عام 1924 زحف الجيش اليمني لحرب الأدارسة وهزم الأدارسة واستولى اليمنيون على ميناء الحديدة وعين الإمام يحيى حميد الدين ولاته عليها وتقدم الجيش صوب الشمال، وحاصر مدينتي صبيا وجازان، وفشلت المفاوضات مع الإمام يحيى مما حمل الإدريسي على توقيع معاهدة حماية مع الملك عبد العزيز آل سعود، وكان ذلك في عام 1345 هـ 1925م، الذي سرعان ما تبين أنه لم يكن له سوى مطامع مع الأدارسة فانقلب عليهم، وفي عام 1933 التحق الأدارسة بإمام اليمن مجدداً خوفاً من سيطرة آل سعود على منطقتهم ما أدى تدريجياً إلى قيام الحرب السعودية اليمنية عام 1934 ولكن بعد أن قلص آل سعود نفوذ الأدارسة وأزاحهم بالحِيَل.

 

الأشراف

كان الأشراف الهاشميون يحكمون الحجاز ومناطق واسعة من الشام والعراق، وكان لعبدالعزيز بن سعود عهود مواثيق مع الشريف حسين سرعان ما نقضها كعادته، ومن ذلك أن بريطانيا كانت تبحث عن حليف لها في المنطقة، فاحتارت بين الشريف حسين وبين عبدالعزيز آل سعود، حيث كان ابن سعود أقرب إليها من الشريف الذي لم يكن يرضى بالتنازل عن قضايا العرب ومنها فلسطين التي تنازل عنها آل سعود في مؤتمر العقير عام 1922، ومما رواه ناصر السعيد في كتابه عن تاريخ آل سعود قول السير كوكس: "إننا سنمشي على قدمين مع أن الإنسان قد يستغني عن واحدة إذا أصيبت بداء فيقطعها.. إنني أكدت لكم أن ابن السعود أصلح لنا من الشريف حسين الذي رفض التوقيع أو الموافقة لإقرار وضع اليهود في فلسطين ولهذا نريد أن نرسل ابن السعود لتأديب الشريف حسين وإخضاعه لنا، وإذا لم يخضع فسيرى الجميع آنذاك أن استئصاله أصلح لنا مع الاستفادة من أبنائه في أماكن غير الحجاز وتسليم الحجاز لابن السعود"!

كان هذا هو رأي السير كوكس في ابن السعود، إلا أن الأغلبية من رجال المخابرات البريطانية الذين حضروا هذا المؤتمر رأوا "تأجيل موضوع إرسال ابن السعود لتأديب الحسين إلى بضعة أشهر حتى يعاودوا الاتصال مع الحسين لعله يوافق على موضوع حق اليهود في فلسطين"…

ولكنهم عادوا من جديد ونفذوا رأي كوكس (وكوكس  يهودي صهيوني) فأخذوا يعدون العدة… وعرف الحسين بن علي بالأمر فأخذ يعد هو الآخر عدته لصد العدوان السعودي، فأعد جيشًا قوامه ٤٠ ألفًا بقيادة ابنه عبد الله، وهكذا رأت بريطانيا التي كانت تمشي على قدمين في الجزيرة العربية أن تركل الهاشميين من الحجاز بقدمها الثانية (ابن السعود)، فأمرته بالزحف على الحجاز وكان جيش الحسين بن علي قد زحف هو الآخر وعسكر في "تربة والخرمة" وهي واحة تقع بين الحجاز ونجد… وفي ليلة ٢٥ شعبان سنة ١٣٣٧ هـ  ١٩١٩ م كانت (مجزرة تربة) الشهيرة… وكانت غدرًا أكثر منها شجاعة، فقد وضع الانكليز خطة من أسهل الخطط للقضاء على ال ٤٠ ألف جندي من جنود الشريف ونجحت الخطة".

 

آل المهنا

آل أبا الخيل وآل المهنا كانوا حكام بريدة من منطقة القصيم بنجد، وكان لهم مواجهات مع نظام آل سعود قبل أن يحاول استقطاب بعضهم، وأدى ذلك إلى أن الملك عبد العزيز آل سعود بعد أن سيطر على البلد أمر بقتل عبد العزيز الحسن المهنا, وستة من أبناء إبراهيم بن مهنا في قرية الربيعية، حيث كان صالح بن إبراهيم المهنا هو أمير تلك القرية في وقتها، ومعهم شاعر بريدة محمد الصغير وذلك بعد أن كثرت الوشايات ضدهم من سكان البلد الذين اشترى ذممهم، وكان ذلك في عام 1327 الموافق 3-7-1909 وقتلوا في قرية الشماسية في مزرعة الحملية، ومنذ ذلك التاريخ وآل سعود لا يرشحون أحدًا من آل مهنا لحكم بريدة بل أصبح نظام آل سعود يقيم عليهم أميراً من أسرة آل سعود نفسها.

 

آل الشقيحي

كان آل الشقيحي وقبلهم آل النشمي وعساف بن حسين أول أمراء لنجران قبل أن توكل إمارة نجران إلى حمد بن محمد الماضي، ثم إلى علي آل مبارك، ومن بعد ذلك إلى خالد بن أحمد السديري في العام 1383هـ ثم فهد بن خالد السديري في العام 1399 وحتى العام 1416هـ، وأخيراً وفي 24 /11 /1417 هـ أوكلت الإمارة إلى آل سعود الذين سحبوا البساط تدريجياً من تحت أقدام أهل نجران، فتولى مشعل بن سعود بن عبدالعزيز آل سعود مقاليد إمارة نجران حتى عام السادس من ذي القعدة لعام 1429هـ، وفي 29 /3 /1430هـ تولاها مشعل بن عبدالله بن عبدالعزيز آل سعود ثم وفي 19 /1 /1436هـ جلوي بن عبدالعزيز بن مساعد آل سعود، وهكذا ظل أمراء آل سعود يتوارثون إمارة نجران إلى الآن.

 

آل العنقري

حاول نظام آل سعود أن يجمع بين تقريب آل العنقري والحذر والتحذير منهم، فكان يحاول استقطاب بعض رموز العناقر الذين يعود أصلهم إلى قبيلة تميم، ولكن سرعان ما فوجئ بخروج حركات تمردية اعتملت في داخل الأسرة وقاد زمامها فيما بعد الدكتور سعد بن راشد الفقيه العنقري التميمي الأكاديمي والاستشاري والطبيب الجراح مؤسس الحركة الإسلامية للإصلاح، والذي أصبح واحداً من أبرز رموز المعارضة للنظام السعودي.

 

استمرار الاستهدافات

الشواهد على إزالة نظام آل سعود لكل معارضيهم وإزاحتهم من الواجهة الاجتماعية كثيرة، وتناولنا بعضها في حلقات سابقة من تبويبنا لدى حديثنا عن استهداف آل سعود لكبريات العوائل والقبائل العربية الثائرة عليه كالعجمان وعتيبة ومطير والشمامرة ويام والدواسر وغامد وزهران وحرب وعنزة وشيعة الشرقية.

كما أن النظام لجأ إلى أساليب الترغيب أحيانًا للإبقاء على مراكز نفوذه من خلال إغراء رؤوس ورموز العشائر في الجزيرة العربية، وتجييرهم لصالحه، كما فعل مع آل البراهيم في الطائف، الذين سرعان ما استبدلهم بأمراء من أسرة آل سعود، وكما فعل مع آل الشطير في عقلة الصقور، ومع آل الشهيل في تبوك.

 ولم يقتصر الأمر على ذلك فقد كان للنظام أسلوبه في التهميش أيضًا، وخاصة مع الأسر التي استوطنت المنطقة الغربية، وكان لها حضورها الاجتماعي فحاول استخدام أسلوبَي الترغيب والترهيب أو التعزيز والتهميش معها، ليكون لها ولاؤها الخاص له؛ خشية أن تخرج بثورات اجتماعية أو سياسية أو حقوقية أو ما أشبه عليه، الحال التي نلاحظها في تعامله مع كبريات الأسر التي حصلت على الجنسية السعودية، وكان لها حضورها الاجتماعي والاقتصادي في الوسط السعودي، كابن لادن، والجمجوم، والبترجي، وأخيرًا خاشقجي.

إن للنظام، منذ قيامه وإلى اليوم، مع مراكز القوى الاجتماعية أساليب يحاول أن يسكت بها كل صوت يرتفع من هنا أو هناك مناديًا بالعدالة ومقارعًا للظلم.